إِنَّ احْتِصَارَكَ مَوْلَى السَّوْءِ تَسْأَلُهُ … مِثْلُ القَعُودِ وَلَمَّا تَتَّخِذْ نَشَبا (١)
إذا افتَقَرْتَ نأى واشْتَدَّ جانِبُهُ … وإِنْ رَاكَ غَنِيًا لان واقْتَرَبا (٢)
وإن أتاك لمال أو لِتَنْصُرَهُ … أثْنَى عَلَيْكَ الذي تَهْوَى وَإِنْ كَذَا (٣)
نائي القَرابَةِ عِنْدَ النَّيْلِ تَطْلُبُهُ … وَهُوَ البَعِيدُ إذا نال الذي طلبا (٤)
لا بَلْ سَلِ اللهَ ما ضَلُّوا عَلَيْكَ بِهِ … ولا يَمنُّ عَلَيْكَ المَرْءُ مَا وَهَبا (٥)
فاعْصِ العَواذِلَ وارْمِ اللَّيْلَ مُعْتَرِضًا … بِساهِم الخَدِّ يَغْتَالُ الفَلا خَبَبا (٦)
يُدْنِي الفَتَى للغنى في الرّاغبِينَ إِذا … لَيْلُ التّمام أَفَنَّ المُقْتِرَ العَزَبا (٧)
حَتَّى تُصادف مالًا أو يُقالَ فَتًى … لاقى التي يَشْعَبُ الفِتْيانَ فَانْشَعَبا (٨)
يا للرجال لأقوامٍ أُجَاوِرُهُمْ … مُسْتَقْبِسِينَ وَلَمَّا يُقْبَسُوا لَهَبا (٩)
يَصْلَوْنَ ناري وأحْمِيهَا لِغَيْرِهِم … وَلَوْ أَشَاءُ لَقَدْ كَانُوا لَها حَطَبا (١٠)
مِنَ الرِّجالِ رِجالٌ لا أُعاتِبُهُم … وما تَفَرَّعُ مِنْهُمْ هَامَتِي رُعُبا (١١)
إِنِّي امْرُؤٌ مَنْ يُكَلَّفْ أَوْ يُجارِيَنِي … مِنَ المئِينَ يُجَشِّمْ نَفْسَهُ تَعَبا (١٢)
مثْلِي يَرُدُّ على العادِي عَداوَتَهُ … ويُعْتِبُ المَرْءَ ذا القُرْبَى إِذا عَتَبا (١٣)
(١) احتضارك مولى السوء: حضورك عنده. والنشب: المال الأصيل.
(٢) نأى: بعد. أراد إذا وجدك فقيرًا ابتعد عنك وجافاك بقوة، وإن رآك غنيًا لأن جانبه لك واقترب منك.
(٣) إذا جاءك يطلب مالًا، أو نصرة، كال لك الثناء الذي تريده وإن يكذب فيه.
(٤) نائي القرابة، أي: يدلي بقرابته منك عند نيله مطلبه. وبعد نيله ما يريد يبعد عنك.
(٥) ضنوا: بخلوا.
(٦) العواذل: اللوام، واحدها عاذل وارم الليل بساهم الخد، أي: بفرس ساهم الخد. والسهم: الشاحب المتغير اللون والفلا: الفلاة. ويغتال الفلا، أي: يقطعها غيلة ويذهب بها. والخبب: ضرب من العدو فيه خفة.
(٧) الراغبون: أراد بهم الأغنياء الموسرين، ولم ترد هذه الصفة في المعاجم. وليل التمام: أطول ليالي الشتاء. والمقتر: الفقير المقلّ. والعزب: الذي لا زوج له.
(٨) تشعب الفتيان، أي: تفرقهم وتهلكهم. أراد بها المنية، ومن ذلك تسمى المنية: شعوب.
(٩) يقبسوا نارًا: يعطوا قبسًا من نار.
(١٠) يصلون ناري: أراد لحم ناري، وأراد سماحته وكرمه. وقوله: ولو أشاء كانوا … أراد لو أريد معاملتهم كما يستحقون لكانوا حطبًا لهذه النار.
(١١) قوله: لا أعاتبهم، أراد احتقاره لهم. وتفزّع: تفزع. والهامة: أعلى الرأس.
(١٢) كلفه أمرًا: أوجبه عليه. ويجاريني، أي: يجري معي. والمئون من الإبل، ولعله أراد شهامته وكرمه. وجسم نفسه: كلفها على مشقة.
(١٣) عتب: سخط ووجل. وأعتبه: أزال ما كان بينهما سببًا للسخط والموجدة.