ومنه بجحفل لو نهض بنفسه من جثومها، وفرّق بين أرواح عموده وجسومها، كان في بكر بن عبد مناة حيث لا يغظ غظيظ البكر شَدّ خناقه، وقرّب اختناقه، وإنما يثب في عامر بن ليث وثبة الليث الخادر والبطل القادر. ومن شعره النادر قوله (١): [من الكامل]
وإذا أهنتَ أخاك أو أفردْتَهُ … عَمْدًا فأنتَ الواهِنُ المذموم (٣)
وأقم لمن صافيت وجهًا واحدًا … وخليقةً إِنَّ الكريم قَؤُومُ (٤)
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتِيَ مثلَهُ … عار عليك إذا فعلت عظيم (٥)
وإذا رأيت المرء يقفو نفسَهُ … والمُحْصَناتِ فما لذاكَ حَرِيمُ (٦)
قد يُكْثِرُ النكس المقَصِّر هَمِّهُ … وَيَقِلُّ مالُ المَرءُ وهو كَريمُ (٧)
ومن قوله (٨): [من الوافر]
إذا ابتسمت تلألأ ضَوءُ بَرقٍ … تَهلَّلَ في الدُّجُنَّةِ ثمَّ داما (٩)
وإن قامت تأمَّلَ مَنْ رآها … غَمامَةَ صَيّفٍ وَلَتْ غَماما (١٠)
وخنذيذ كمريخ المغالي … إذا ما خفَّ يَعْتَزِمُ اعتزاما (١١)
(١) القصيدة في ديوان ص ٧٤ - ١٠٩ في ٧٣ بيتًا، ومنتهى الطلب ٣/ ١٥٥ - ١٦٦ في ٧٣ بيتًا. (٢) مولاهم: أي مواليهم، وهم العتقاء الذين أعتقوا. (٣) أهنت من الإهانة وهي الاستخفاف، والاسم الهوان والمهانة، يقال: استهان به وتهاون به: استحقره. (٤) الخليقة: الطبيعة، والجمع خلائق. (٥) يقول للمخاطب: إن من العار العظيم أن تنهى عن شيء وتصنع مثله. (٦) يقفو: يقذف، تقول قفوت الرجل، إذا قذفته بفجور صريحًا، وقفوته إذا رميته بأمر قبيح. والمحصنات: العفيفات، وحصنت المرأة وأحصنت، أي: عفّت، وأحصنها زوجها فهي محصنة ومحصنة بكسر الصاد وفتحها وحريم أي حرمة، وحرمة الرجل: حرمه وأهله، والحرمة: ما لا يحل انتهاكه. (٧) النَّكِسُ: الرجل الضعيف. (٨) القصيدة في ديوانه ص ١١٠ - ١٣٤ في ٦٢ بيتًا، ومنتهى الطلب ٣/ ١٦٧ - ١٧٤ في ٦٢ بيتًا. (٩) تلألأ ضوء، برق، أراد أسنانها البيضاء اللامعة. وتهلل: تلألأ، ويقال تهلل السحاب ببرقه: أي تلألأ. والدجنَّة: هي الظلمة ودام: أي سكن وبقي على حاله. (١٠) الغمامة: السحابة وشبه المرأة بها، والغمام جمع غمامة. وولجت: دخلت. (١١) الخنذيذ: الفرس الخصي والفحل أيضًا والكلمة من الأضداد، والخصي أقوى. والمريخ: سهم طويل له أربع قذذ يغلي به. والمغالي: هو الذي يرمي بالسهم أبعد ما يقدر عليه، والغلوة: هي الغاية بمقدار رمية. ويعتزم: اعتزم الفرس في عنانه إذا مر جامحًا لا ينثني.