وأَنَّ حَظَّ امْرِي غَيْرِي سَيَأخُذُهُ … لا بُدَّ لا بُدَّ أَنْ يَحْتَازَهُ دُونِي (٢)
[وهذه الأبيات من قصيدة أتى فيها بمثل هذا التفويض والتوكل الذي ترك إناءه يفيض، وروتها الرواة ونقلتها إلى الخليفة، وحملتها إليه على متون الركائب الخفيفة، ثم أتاه ابن أُذينة يؤم وفده، ويؤمل رفده، فقال له: ما أقدمك يا ابن أُذينة وَمِمَّ رحلت إلينا من المدينة فشكا إليه مس الفاقة والضرورة التي حدت نياقه فقال له: ما أسرع ما أكذب فعلك قولك، وأنشده الأبيات وأخذ في لومه، وتعنيفه بياض يومه، فلما مد الليل ستوره، وأطفأ ضوء النهار نوره، قام فجدح لعلته وترك قافلته، فلما أصبح فَقَدَه ولم يعلم أنه يكلمه الحراز فلما وقف على خبره بعث وراءه إبلًا أوقرها مالًا وكسوة وطعامًا، وقذف بها إليه في مهب النعامى، فبقي لا يرحل من منزل إلا أعقبته إليه الإبل الموقورة وحطت إثر ركائبه المحقورة، حتى أتى أهله فقمن عليه بنات كُنَّ له .. ما حباه به الملك الشامي، وسقاه به نوءه الغمامي، فقال: لقد كان كذا وذكر القصة، وساق الحديث ونصه، وما كنت لأكذب نفسي وأشهد يومي على شيء، فما استتم كلامه، ولا سمع عذر … ولا ملامه، حتى أقبلت الإبل المواقر والمواهب التي تسد … قائدها يقول: إن أمير المؤمنين فقد موضحك فبعث بهذه الإبل واتبعك، فأمر بنيه فقاموا إلى الإبل فأنزلوها، ونقعوا بها مخصتهم وبلوها، فقال: شكرًا لله ولأمير المؤمنين ومن دله، ثم أنشد قوله:
«لقد علمت وما الإسراف من خلقي»
[وما بعده اليقين، وبقي على هذا بقية عمره حتى أتاه الحين](٣).
ومنه قوله (٤): [من الطويل]
وَقُدْنَا الجِيَادَ المُقْرَبَاتِ عَلَى الوَجَى … إلى كُلِّ كُلَّحًا في الشُّكائِم (٥)
إذا صَبَّحَتْ حَيًّا عَلَيْهِمْ ضِيافَةٌ … بِفُرْسانِهِمْ أَعْضَضْنَهُمْ بالأباهِمِ (٦)
(١) يعنيني يتبعني من العناء، وهو التعب والمشقة. (٢) يحتازه: يأخذه ويستأثر به. (٣) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل. (٤) القصيدة في ديوانه ص ٢٢٩ - ٢٥٧ في ٦٩ بيتًا، ومنتهى الطلب ٣/ ١٢٧ - ١٣٧ في ٦٩ بيتًا. (٥) المقربات من الخيل: المؤثرة المكرمة التي تدنى من البيوت. والوجى: أن يشكو الفرس باطن حافره. وكلّحًا: عابسات. والكلوح: تكشر في عبوس. والشكائم: جمع شكيمة، وهي في اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس. (٦) صبحت حيًا، أي: الجياد. وصبحت حيًّا، أي: أغارت عليهم في الصباح. وأعضضنهم بالأباهم: أي جعلوهم يعضون على أصابعهم كناية عن الحسرة والندم. والأباهم: جمع إبهام.