للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الغريب طبعًا وسجيّة، وخلقًا له فيه مزيّة غرسيّة، يأخذ الكلمة حوشية، ويردها آنسة غير وحشية، كالنحل يجني المزمز النوار، فيعيده … يشتار، والكبير ينفي الخبث بالنار، فيخرج من الترب تبرًا [ما] عليه غبار، سبق إلى الغاية القصوى وتمكن من الشعر تمكن رضا، وغبر في الجاهلية دهرًا، وعبر إلى الإسلام يستأنف في الإيمان عمرًا، وعامة ما قال من الشعر في إسلامه، وبعد أن أخذ قائد الدين بزمامه، فيرى نقيًا من هجر من نكبه، وعريًا من وزر في مذهبه يحتقبه، وتأخر في الزمان، إلى أيام عثمان بن عفان، ولقى بإفريقيا مهلكه، وقيل: إن موته بطريق مصر أدركه، فتولى دفنه عبد الله بن الزبير، وألقى هناك عصا الحياة وانقطع به السير، وأصاب الطاعون خمسة بنين من أولاده، كانوا جمال حفلة ورجال طراده، ومطمح نظره، وسرح فؤاده كلهم أولو بأس ونجدة، رحماء بينهم على الأعداء أشدة، فماتوا في عام واحد متتابعين وإنما مضوا لكبده الحرى متوازعين، فأسف لفقده حواسه الخمس، ويئس من البقاء لما أودع من ودع منهم في الرمس، وفتّ في عضده ريب المنون، وهد جلده ذا أولئك البنون، فقال قصيدة يذيب العيون توجعها، ويذهل المصون تفجعها وهي التي مطلعها (١):

[من الكامل]

أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوجَّعُ … والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ (٢)

وفيها يقول:

وتَجَلُّدِي للشامتِينَ أُرِيهِم … أنّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتوجع (٣)

وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أظفارها … ألفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ (٤)

والنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذا رَغَبْتَها … وإذا تُرَدُّ إِلى قَلِيلٍ تَقْنَعُ (٥)


(١) القصيدة في ديوان أبي ذؤيب ص ١ - ٤ في ٦٣ بيتًا، وديوان الهذليين ١/ ١ - ٢٠ في ٦٩ بيتًا، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٤ - ٤١ في ٦٣ بيتًا، ومنتهى الطلب ٩/ ١٢١ - ١٣٦ في ٦١ بيتًا.
(٢) وفي شرح أشعار الهذليين ١/ ٤: «الأخفش: المنون: جماعة لا واحد له … وقال الأصمعي: المنون، واحد لا جماعة له. وروى الأصمعي: وريبه. قال الأصمعي: هكذا ينشد، وذكر المنون ههنا، والمنون تذكر وتؤنث. وقول الأصمعي أحبّ إلينا، لقوله: والدهر ليس بمعتب من يجزع، فالدهر ههنا الموت … . وسميت المنون، لأنها تَمُنُّ كل شيء، أي: تنقصه. وريبه، ما يأتي به من الفجائع والمصائب … والتوجع: التفجع، وقد يكون بمنزلة التشكي».
(٣) في شرح أشعار الهذليين ١/ ١٠: «أتضعضع: أتكسر وتجلدي: رفع باللام التي في الشامتين».
(٤) في شرح أشعار الهذليين ١/ ٨: «قال الأصمعي: هذا مثل ليس للمنية أظفار. يقول: إذا أخذت لم تغن التميمة شيئًا، وهي المعاذة والعوذة. يقول: فلا تنفع العود والرقى إذا جاءت المنية … وأنشبت أظفارها، أي: لا تفارق كالسبع إذا أخذ لا يفارق حتى يعض».
(٥) في شرح أشعار الهذليين ١/ ١١: «يقول: النفس تسمو ورغبتها في كثرة المال، فإذا جعلت تعطي =

<<  <  ج: ص:  >  >>