للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِتَصْحِيحِ الأَصْلِ أَوْلَى.

قَالَ: (وَمَنْ يَعْجَزُ عَنْ القِيَامِ بِالوَصِيَّةِ، ضَمَّ إِلَيْهِ القَاضِي غَيْرَهُ) رِعَايَةً لِحَقِّ المُوصِي وَالوَرَثَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ تَكْمِيلَ النَّظَرِ يَحْصُلُ بِضَمِّ الْآخَرِ إِلَيْهِ لِصِيَانَتِهِ وَنَقْصِ كِفَايَتِهِ، فَيَتِمُّ النَّظَرُ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ شَكَا إِلَيْهِ الوَصِيُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّ الشَّاكِيَ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا تَخْفِيفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا ظَهَرَ عِنْدَ القَاضِي عَجْزُهُ أَصْلًا اسْتَبْدَلَ بِهِ رِعَايَةٌ لِلنَّظَرِ مِنْ الجَانِبَيْنِ؛ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ أَمِينًا فِيهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ غَيْرَهُ كَانَ دُونَهُ، لِمَا أَنَّهُ كَانَ مُخْتَارَ المَيِّتِ وَمَرْضِيَّهُ، فَإِبْقَاؤُهُ أَوْلَى، وَلِهَذَا قُدِّمَ عَلَى أَبِي المَيِّتِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهِ، فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا إِذَا شَكَا الوَرَثَةُ، أَوْ بَعْضُهُمْ الوَصِيَّ إِلَى القَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ مِنْهُ خِيَانَةٌ، لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الوِلَايَةَ مِنْ المَيِّتِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتْ الخِيَانَةُ فَالمَيِّتُ إِنَّمَا نَصَّبَهُ وَصِيًّا لِأَمَانَتِهِ، وَقَدْ فَاتَتْ، وَلَوْ كَانَ فِي الْأَحْيَاءِ لَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَعِنْدَ عَجْزِهِ يَنُوبُ القَاضِي مَنَابَهُ كَأَنَّهُ لَا وَصِيَّ لَهُ.

قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى إِلَى اثْنَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ دُونَ صَاحِبِهِ) إِلَّا فِي أَشْيَاءَ مَعْدُودَةٍ نُبَيِّنَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ) (*)،

قوله: (ضم إليه القاضي غيره)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ولا يعلم فيه خلاف.

قوله: (ولهذا قدّم) أي: الوصي (لأنه) أي: الوصي استفاد الولاية من الميت، والشاكي قد يكون ظالمًا في شكواه، فلما لم تتبين جنايته لا يخرجه عن الوصاية؛ لأن الموصي اختاره في النظر، كذا في المبسوط (١).

قوله: (وقال أبو يوسف: ينفرد) إلى آخره، ذكره الكاساني، قيل هذا الخلاف فيما إذا أوصى لكل واحد منهما بعقد على حدة، فعندهما لا يجوز لأحدهما أن يتصرف بدون غيره، وعنده يجوز، وبه قالت الأئمة الثلاثة.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٢٨/٢٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>