للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ضِمْنِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، فَكَانَ تَبَرُّعًا بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ، وَالإِعْتَاقُ تَبَرُّعُ صِيغَةً وَمَعْنَى، فَإِذَا وُجِدَتْ المُحَابَاةُ أَوَّلًا دُفِعَ الأَضْعَفُ، وَإِذَا وُجِدَ العِتْقُ أَوَّلًا وَثَبَتَ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الدَّفْعَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ المُزَاحَمَةُ، وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحَهُ اللهُ: إِذَا حَابَى

قوله: (فكان تبرعا بمعناه لا بصيغته) أي: البيع بالمحاباة تبرع من حيث المعنى، لا من حيث الصيغة، فإن البيع بالمحاباة عقد تجارة حتى يجب للشفيع الشفعة في الكل، والشفعة تختص بالمعاوضات، ولهذا أن البيع بالمحاباة يصح من العبد المأذون، والصبي المأذون وبالمرض لا يلحقه الحجر عن التجارة.

أما العتق تبرع محض صيغة ومعنى لا تجارة فيه، والمريض محجور عن التبرعات، فكانت المحاباة أقوى سببًا من العتق؛ لأن سببها التجارة، فمن حيث الحكم العتق أولى؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، ومن حيث السبب المحاباة أولى كما ذكرنا، فاستويا (١) في القوة، فإذا سبقت المحاباة كان أولى؛ لأن العتق جاء، والمحاباة ثبت في الثلث، فلا يدفعه العتق بعد ذلك.

أما إذا ثبت العتق أولًا، وثبت وهو لا يحتمل الدفع، كان من ضرورته المزاحمة.

(وعلى هذا) أي: وعلى هذا الأصل (قال أبو حنيفة كذا.

فإن قيل: ينبغي أن يقسم الثلث بين الكل أثلاثا؛ لأن المحاباة الثانية مساوية للأولى، والعتق (٢) مساوٍ للمحاباة الثانية، فكان مساويا للأولى؛ لأن المساوي للمساوي مساوٍ.

قلنا: العتق مساوٍ للثانية بمعنى يخصه، وهو تقدمه عليها، فلا يساوي الأولى، وبهذا خرج الجواب عن إشكال آخر، وهو أن يقال: المحاباة الأولى ترجحت على العتق، والثانية مساوية للأولى، فينبغي أن يترجح على العتق كالأولى؛ لأن المساوي للراجح راجح؛ لما مر أن رجحان الأولى بمعنى يخصه، وهو تقدمه عليه.


(١) في الأصل: (فاستوفاه) والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (ويعتق) والمثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>