للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَى المَوْلَى لِأَنَّهُ حِينَ دَفَعَ لَمْ تَكُنْ الجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ مَوْجُودَةٌ، فَقَدْ دَفَعَ كُلَّ الحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقَّهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَ بِالقَضَاءِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ المَوْلَى جَانٍ بِدَفْعِ حَقِّ وَلِيِّ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ طَوْعًا، وَوَلِيُّ الأُولَى ضَامِنٌ بِقَبْضِ حَقِّهِ ظُلْمًا، فَيَتَخَيَّرُ، وَهَذَا لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُقَارِنَةٌ حُكْمًا مِنْ وَجْهِ، وَلِهَذَا يُشَارِكُ وَلِيُّ الجِنَايَةِ الأُولَى، وَمُتَأَخِّرَةٌ حُكْمًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي حَقَّهَا، فَجُعِلَتْ كَالمُقَارِنَةِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ لِإِبْطَالِهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَقٌّ وَلِيِّ الثَّانِيَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَإِذَا أَعْتَقَ المَوْلَى المُدَبَّرَ، وَقَدْ جَنَى جِنَايَاتٍ، لَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا قِيمَةٌ

المولى بنصف قيمته، ثم المولى يرجع على ولي القتيل الأول بما دفع لولي الثاني؛ لأنه تبين أنه استوفى منه زيادة على مقدار حقه، وهو نظير (١) الوصي إذا قضى دين أحد الغريمين من التركة ولم يعلم بالدين الآخر، أو قضى دين غريم [ثم] (٢) حدث دين آخر بسبب كان من الميت في حياته، كذا في شرح الطحاوي.

قوله: (وصار كما إذا دفع بالقضاء) لأنه فعل غير ما يفعله القاضي، فيكون القضاء وعدمه سواء، كما في الرجوع في الهبة، وأخذ الدار بالشفعة بعد وجوبها، ولا يصير بالدفع متعديًا؛ لأنه حين دفعه لم تكن الجناية الثانية موجودة، فلم يكن بهذا الدفع جانيًا في حق الثاني؛ لأن السبب الموجب لحق الثاني وهو الجناية لم يوجد، فلا يضمن له شيئًا.

قوله: (لأن الثانية مقارنة) أي: للجناية الأولى (حكما من وجه) لأن المولى منع الرقبة من الدفع بالتدبير السابق، وذلك في حق أولياء الجنايتين سواء، فيجعل في حقهم كأنه دفع القيمة بعد الجنايتين جميعًا، وهناك إن دفع بالقضاء جميع القيمة إلى أحدهما لم يضمن الثاني شيئًا، وإن دفع بغير قضاء كان للثاني الخيار، فهذا مثله، والدليل على أن المعتبر لهذا أن للثاني حق المشاركة مع الأول في تلك القيمة، ولا يكون ذلك إلا باعتبار ما بينا، وهو أنه يجعل كأنه جنى عليهما في حالة واحدة، كذا في المبسوط.

قوله: (عملا بالشبهين) يعني لما علمنا بشبه التأخير في ضمان الجناية حتى


(١) في الأصل: (نظر)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>