المستنصرية، ورتّب فيها الرّواتب الحسنة لأهل العلم.
وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر منها وقوفا، وهي بأربعة مدرّسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها مارستانا، ورتّب فيها مطبخا للفقهاء، ومزمّلة للماء البارد، ورتّب لبيوت الفقهاء الحصر، والبسط، والزّيت، والورق، والحبر، وغير ذلك، وللفقيه بعد ذلك في الشّهر ديناران، ورتّب لهم حمّاما، وهو أمر لم يسبق إلى مثله.
واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جدّه.
وكان ذا همّة عالية، وشجاعة، وإقدام عظيم، وقصدت التّتار البلد، فلقيهم عسكره، فهزموا التّتار هزيمة عظيمة، وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة، وكان يقول: لئن ولّيت لأعبرنّ بالعسكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التّتار وأستأصلهم؛ فلمّا مات المستنصر لم ير الدّويدار ولا الشّرابي تقليد الخفاجي خوفا منه، وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا، من هلاك المسلمين في مدّته؛ وتغلّب التّتار؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
قال الذهبي (١): وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيّفا وسبعين ألف مثقال، وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين، وتمّت في سنة إحدى وثلاثين، ونقل إليها الكتب وهي مائة وستّون حملا من الكتب النّفيسة، وعدد فقهائها مائتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعة مدرّسون، وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طبّ، وشيخ فرائض، ورتّب فيها الخبز والطّبيخ، والحلاوة، والفاكهة، وجعل فيها ثلاثين يتيما، ووقف عليها ما لا يعبّر عنه كثرة - ثم سرد الذّهبي القرى والرّباع الموقوفة عليها - وقال: وفتحت يوم الخميس في [خامس] رجب، وحضر القضاة والمدرّسون والأعيان وسائر الدّولة، وكان يوما مشهودا.
ومن الحوادث في أيّام المستنصرة: في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفيّة، وفرغت في سنة ثلاثين.