للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عليها، أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطّوائف، ولم يبق بيد الرّاضي غير بغداد والسّواد مع كون يد ابن رائق عليه.

ولمّا ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدّولة العبّاسيّة، وتغلّبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم، قويت همّة صاحب الأندلس الأمير عبد الرّحمن بن محمد الأموي المروانيّ وقال: أنا أولى النّاس بالخلافة، وتسمّى بأمير المؤمنين النّاصر لدين اللّه، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزّائدة والجهاد والغزو والسّيرة المحمودة، استأصل المتغلّبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمّون بأمير المؤمنين في الدّنيا ثلاثة: العباسيّ ببغداد، وهذا بالأندلس، والمهديّ بالقيروان.

وفي سنة ستّ وعشرين خرج بجكم على ابن رائق، فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الرّاضي، ورفع منزلته، ولقّبه أمير الأمراء، وقلّده إمارة بغداد وخراسان.

وفي سنة سبع وعشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطيّ، - وكان يحبّه - أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير؛ فأذن وحجّ النّاس، وهي أوّل سنة أخذ فيها المكس من الحجّاج.

وفي سنة ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقا عظيما حتّى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا، وغرق النّاس والبهائم، وانهدمت الدّور.

وفي سنة تسع وعشرين اعتلّ الرّاضي، ومات في شهر ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف، وكان سمحا، كريما، أديبا، شاعرا، فصيحا، محبّا للعلماء؛ وله شعر مدوّن، وسمع الحديث من البغوي وغيره.

قال الخطيب (١): للرّاضي فضائل: منها أنّه آخر خليفة له شعر مدوّن، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس النّدماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدّمين؛ وآخر خليفة سافر بزيّ القدماء.


(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٤٣.

<<  <   >  >>