للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فمن رشّح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود، قال: فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنّى؛ فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتمّ؛ قيل له: وكيف؟ قال: كلّ واحد ممّن سمّيتهم متقدّم في معناه، عالي الرّتبة؛ والزّمان مدبر والدّنيا مولّية، وما أرى هذا إلاّ إلى اضمحلال، وما رأى لمدّته طولا.

وبعث ابن المعتزّ إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكي ينتقل ابن المعتزّ إلى دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه إلاّ طائفة يسيرة، فقالوا:

يا قوم نسلّم هذا الأمر ولا نجرّب نفوسنا في دفع ما نزل بنا، فلبسوا السّلاح وقصدوا المخرّم وبه ابن المعتزّ، فلمّا رآهم من حوله ألقى اللّه في قلوبهم الرّعب، فانصرفوا منهزمين بلا قتال، وهرب ابن المعتز ووزيره وقاضيه، ووقع النّهب والقتل في بغداد، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه، وسلّموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلاّ أربعة - منهم القاضي أبو عمر - سلموا من القتل، وحبس ابن المعتزّ، ثم أخرج فيما بعد ميّتا، واستقام الأمر للمقتدر؛ فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فسار أحسن سير، وكشف المظالم، وحضّ المقتدر على العدل، ففوّض إليه الأمور لصغره، واشتغل باللّعب واللّهو، وأتلف الخزائن.

وفي هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستخدم اليهود والنّصارى، وأن يركبوا بالأكف.

وفيها غلب أمر المهدي بالمغرب، وسلّم عليه بالإمامة، ودعي له بالخلافة، وبسط في الناس العدل والإحسان، فانحرفوا إليه، وتمهّدت له المغرب، وعظم ملكه، وبنى المهديّة، وهرب أمير إفريقيّة زيادة اللّه بن الأغلب إلى مصر، ثم أتى العراق، وخرجت المغرب عن أمر بني العبّاس من هذا التّاريخ.

فكانت مدّة ملكهم جميع الممالك الإسلاميّة مائة وبضعا وستّين سنة؛ ومن هنا دخل النقص عليهم.

قال الذّهبي (١): اختلّ النّظام كثيرا في أيّام المقتدر لصغره.


(١) تاريخ الإسلام ٢٣/ ٦٠٤.

<<  <   >  >>