وإنّي لأرجو أن ترى من مغيبها … مطالع شمس قد يغصّ بها الشّرب
وهمّك تركيّ عليه مهانة … فأنت له أمّ، وأنت له أب
بويع له بالخلافة بعد المأمون، في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان النّاس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلّمين أن يعلّموا الصّبيان ذلك، وقاسى النّاس منه مشقّة في ذلك، وقتل عليه خلقا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين.
وفيها تحوّل المعتصم من بغداد، وبنى سرّ من رأى، وذلك أنّه اعتنى باقتناء التّرك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنّواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الدّيباج ومناطق الذّهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون النّاس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنّا بجندك حاربناك! قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار؛ قال: لا طاقة لي بذلك؛ فكان ذلك سبب بنائه «سرّ من رأى» وتحوّله إليها.
وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الرّوم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتّت جموعهم، وخرّب ديارهم، وفتح عمّوريّة بالسّيف، وقتل منها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم.
وكان لمّا تجهّز لغزوها حكم المنجّمون أنّ ذلك طالع نحس، وأنّه يكسر؛ فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمّام قصيدته المشهورة، وهي هذه (١): [من البسيط]
السّيف أصدق أنباء من الكتب … في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين لا في السّبعة الشّهب
أين الرواية؟ أم أين النّجوم؟ وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بعجم إذا عدّت ولا عرب (٢)
(١) ديوانه ١/ ٤٥ وما بعد. (٢) هذه الرواية غريبة، ورواية الديوان: X ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب.