للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُعْتَقَدِهِمْ، كَمَا إِذَا أَوْصَى بِالحَجِّ، أَوْ بِأَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِأَنْ يُسْرَجَ فِي مَسَاجِدِ المُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ الوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِالإِجْمَاعِ، اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ، إِلَّا إِذَا كَانَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، لِوُقُوعِهِ تَمْلِيكًا، لِأَنَّهُمْ مَعْلُومُونَ، وَالجِهَةُ مَشُورَةٌ.

وَمِنْهَا: إِذَا أَوْصَى بِمَا يَكُونُ قُرْبَةٌ فِي حَقْنَا وَفِي حَقِّهِمْ، كَمَا إِذَا أَوْصَى بِأَنْ يُسْرَجَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، أَوْ يُغْزَى التَّرْكُ وَهُوَ مِنْ الرُّوم، وَهَذَا جَائِزُ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ، لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةٌ، وَفِي مُعْتَقَدِهِمْ أَيْضًا. وَمِنْهَا: إِذَا أَوْصَى بِمَا لَا يَكُونُ قُرْبَةً لَا فِي حَقْنَا، وَلَا فِي حَقِّهِمْ، كَمَا إِذَا أَوْصَى لِلْمُغَنِّيَاتِ وَالنَّائِحَاتِ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ جَائِزِ، لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فِي حَقْنَا وَفِي حَقِّهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَصِحُ تَمْلِيكًا وَاسْتِخْلَافًا، وَصَاحِبُ الهَوَى إِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ، فَهُوَ فِي حَقِّ الوَصِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ المُسْلِمِ، لِأَنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ،

قوله: (والجهة مشورة) أي: صرف هذا المال الموصى به إلى استضاءة المسجد، وغيره خرج على وجه المشورة لا على طريق الإلزام.

قال قاضي خان: فلو كان لقوم بأعيانهم صحت ويكون تمليكا، وإنها ليست بقربة في اعتقادهم؛ فلا يكون تمليكا إلى الله تعالى في اعتقادهم، فلا يصح.

قوله: (وهو من الروم) أي: الموصي من الروم أو من الديلم، أو بأن يشتري العبيد من ثلث ماله ويعتق في سبيل الله، فإنها صحيحة بالاتفاق؛ لأن هذه وصية مما هو قربة حقيقة عندهم؛ فتكون صحيحة.

وغاية ما في الباب أنه لا يؤجر بهذه الوصية ولا يستحق الثواب بها، واستحقاق [الثواب] (١) ليس بشرط في صحة الوصية، بل شرطها جعله الله تعالى بجهة القربة.

ألا ترى أن المسلم لو أوصى بالقربة ولم تحضره النية صحت الوصية، وإن كان لا يستحق الثواب، كذا ذكره صاحب الكتاب في الزيادات.


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>