قال ابنُ أبي حاتمٍ:"هذا إذا كان وِلادَتُهم كذلكَ، فأما من حَدثَت له هذه العِلَلُ وكان في الأصَلِ صحيحَ التركيبِ، فلا تَضُرُّ مُخالَطَتُه"(١).
وعن الحُمَيديِّ قال: قال الشافعيُّ: "خرجتُ إلى اليَمَنِ في طلبِ كُتُبِ الفِراسَةِ حتى كتبتُها وجمعتُها، ثمَّ لما كان انصِرافي مَرَرتُ في طريقي برجلٍ وهو مُحتَبِيٌ بفِناءِ دارهِ، أزرق العَينَينِ، ناتِئ الجَبهَةِ، سُنَاط (٢)، فقلتُ له: هل مِن مَنزِلٍ؟، قال: نعم، قال الشافعيُّ: وهذا النَّعتُ أخبثُ ما يكونُ في الفِراسَةِ، فأَنزَلَني فرأيتُه أكرَمَ رجلٍ؛ بعثَ إليَّ بعَشاءٍ وطِيبٍ، وعَلَفٍ لدابَّتي، وفِراشٍ ولحافٍ، قال: فجعلتُ أتقَلَّبُ الليلَ أَجمَعَ ما أصنعُ بهذِه الكتبِ، فلما أصبحتُ قلتُ للغلامِ: أَسرِجْ، فأَسرَجَ، فركبتُ ومَرَرتُ عليه، وقلتُ له: إذا قَدِمتَ مكةَ ومَرَرتَ بِذي طُوَى فاسأل عن مَنزِلِ محمدِ بنِ إدريسَ الشافعيِّ، فقال لي: أَمَولىً كنتُ أنا لأبيكَ؟!، فقلتُ: لا، قال: فهل كانت لكَ عندي نِعمةٌ؟، فقلتُ: لا، قال: فأينَ ما تكلَّفتُ لك البارحةَ؟، قلتُ: وما هو؟، قال: اشتريتُ لك طعامًا بدرهمين، وأُدُمًا بكذا، وعِطرًا بثلاثةِ دراهمَ، وعَلَفًا لدابَّتِك بدرهمينِ، وكِراءُ الفِراشِ واللِّحافِ بدرهمين، قال: فقلتُ: يا غلامُ، أَعطِهِ، فهل بَقِيَ مِن شيءٍ؟، قال: نعم، كِراءُ المنزِلِ، فإني وسَّعتُ عليك وضيَّقتُ على نفسي بتلك الكتبِ، فقلتُ له بعدَ ذلك: هل بقيَ من شيءٍ؟، قال: امضِ (٣)(أخَزاكَ)(٤) اللهُ، فما رأيتُ قطُّ شرًّا منكَ"(٥).
= وهو أيضًا عند البيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ١٣٢). (١) "آداب الشافعي ومناقبه" (١٣٢). (٢) فُسِّرت في حاشية الأصل و"م": (هو الذي ليس في لحيته شعر). وفي "لسان العرب" (٧/ ٣٢٥): "الذي لا لحيةَ له، وقيل: هو الذي لا شعرَ في وجهِه البتةَ". (٣) ساقطة من "م". (٤) في النسخ الخطية: (خزاك)، والمثبت من المصادر، وهو الصواب لغةً، والله أعلم. (٥) "آداب الشافعي ومناقبه" (١٢٩)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٤٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥١/ ٤٠٥)، وأخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ١٣٤)؛ من طريق أحمد بن سلمة بن عبد الله النيسابوري عن محمد بن إدريس =