للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأخرج التّرمذيّ (١) عن عائشة قالت: قال رسول اللّه :

«لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمّهم غيره».

وكان مع ذلك أعلمهم بالسّنّة، كما رجع إليه الصّحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل سنن عن النّبيّ ، يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرّسول من أوّل البعثة إلى الوفاة؟ وهو مع ذلك مع أذكى عباد اللّه وأعقلهم، وإنّما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلاّ القليل لقصر مدّته وسرعة وفاته بعد النّبيّ ، وإلاّ فلو طالت مدّته لكثر ذلك عنه جدّا؛ ولم يترك النّاقلون عنه حديثا إلاّ نقلوه، ولكنّ الّذين في زمانه من الصّحابة لا يختلج في صدر أحدهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.

وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران أنه قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب اللّه، فإن وجد فيه ما يقضي به بينهما قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول اللّه في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول اللّه قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النّفر كلّهم يذكر عن رسول اللّه فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد للّه الّذي جعل فينا من يحفظ عن نبيّنا، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول اللّه جمع رءوس النّاس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به؛ وكان عمر يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسّنّة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به، وإلاّ دعا رءوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به.

وكان الصّدّيق مع ذلك أعلم النّاس بأنساب العرب، لا سيّما قريش.

أخرج ابن إسحاق عن يعقوب عن عتبة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن


(١) الترمذي ٥/ ٥٧٣ رقم ٣٦٧٣.

<<  <   >  >>