من المسلمين حبّة ظلما؛ فتّرك السّلطان الأخذ من الخليفة، وعاد إلى جباية الأملاك من النّاس، وصادر التّجّار، فلقي النّاس من ذلك شدّة، ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة ومعاملاته والتّركات إليه.
وفي هذه السّنة رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير، فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدّة، فلمّا أمسوا رقبوا الهلال، فما رأوه أيضا، وكانت السّماء جليّة صاحية، ومثل هذا لم يسمع بمثله في التّواريخ.
وفي سنة ثلاث وثلاثين كان بجنزة (١) زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق ثم خسف بجنزة (٢)، وصار مكان البلد ماء أسود.
وفيها استولى الأمراء على مغلاّت البلاد، وعجز السّلطان مسعود، ولم يبق له إلاّ الاسم، وتضعضع أيضا أمر السّلطان سنجر؛ فسبحان مذلّ الجبابرة!.
وتمكّن الخليفة المقتفي، وزادت حرمته، وعلت كلمته، وكان ذلك مبدأ صلاح الدّولة العباسيّة؛ فلّله الحمد.
وفي سنة إحدى وأربعين قدم السّلطان مسعود بغداد، وعمل دار ضرب، فقبض الخليفة على الضّرّاب الذي تسبّب في إقامة دار الضّرب، فقبض مسعود على حاجب الخليفة، فغضب الخليفة، وغلّق الجامع والمساجد ثلاثة أيّام، ثم أطلق الحاجب، فأطلق الضّرّاب، وسكن الأمر.
وفيها جلس ابن العبّادي الواعظ؛ فحضر السّلطان مسعود، وعرّض بذكر مكس البيع وما جرى على النّاس؛ ثم قال: يا سلطان العالم، أنت تهب في ليلة لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين، فاحسبني ذلك المطرب، وهبه لي، واجعله شكرا للّه بما أنعم عليك؛ فأجاب، ونودي في البلد بإسقاطه، وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس، وبين يديه الدّبادب، والبوقات، وسمّرت، ولم تزل إلى
(١) في ح، م: ببحترة. تصحيف. وهي مدينة في أرمينية. (المنتظم ١٧/ ٣٣٥ وتاريخ الإسلام ٣٦/ ٢٠٨). (٢) في ح، م: ببحترة. تصحيف. وهي مدينة في أرمينية. (المنتظم ١٧/ ٣٣٥ وتاريخ الإسلام ٣٦/ ٢٠٨).