أنّه يريد أن يولّي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان مؤنس، وركب معه سائر الجيش والأمراء والجنود، وجاءوا إلى دار الخلافة، فهربت خواصّ المقتدر وأخرج المقتدر بعد العشاء، وذلك في ليلة رابع عشر المحرّم من داره، وأمّه، وخالته، وحرمه، ونهب لأمّه ستّمائة ألف دينار، وأشهد عليه بالخلع، وأحضر محمد بن المعتضد، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقّبوه «القاهر باللّه» وفوّضت الوزارة إلى أبي علي ابن مقلة، وذلك يوم السّبت، وجلس القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى البلاد، وعمل الموكب يوم الاثنين، فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق السّنة، ولم يكن مؤنس حاضرا، فارتفعت الأصوات، فقتلوا الحاجب ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردّوه إلى الخلافة، فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، وأخذ القاهر فجيء به وهو يبكي ويقول: اللّه اللّه في نفسي؛ فاستدناه وقبّله، وقال له:
يا أخي، أنت واللّه لا ذنب لك، واللّه لا جرى عليك منّي سوء أبدا، فطب نفسا؛ وسكن النّاس، وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعود الخلافة إلى خلافته، وبذل المقتدر الأموال في الجند.
وفي هذه السنة سيّر المقتدر ركب الحاج مع منصور الدّيلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التّروية عدوّ اللّه أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا، وطرح القتلى في بئر زمزم.
وضرب الحجر الأسود بدبّوس فكسره، ثم اقتلعه، وأقام بها أحد عشر يوما، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار، فأبوا حتّى أعيد في خلافة المطيع.
وقيل: إنّهم لمّا أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر، فلمّا أعيد حمل على قعود هزيل فسمن.
قال محمد بن الرّبيع بن سليمان: كنت بمكّة سنة القرامطة، فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه، فعيل صبري وقلت: يا ربّ ما أحلمك! فسقط الرّجل على دماغه فمات.