وكرمان، وسجستان، وعزم على قصد العراق، وضرب السّكّة باسمه، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد، وهذا محلّ الغرابة! ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه، فكفى اللّه شرّه.
وفي سنة تسع وستّين اشتدّ تخيّل المعتمد من أخيه الموفّق؛ فإنّه كان خرج عليه في سنة أربع وستّين ثم اصطلحا، فلمّا اشتدّ تخيّله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر، واتّفقا على أمر، فخرج ابن طولون حتّى قدم دمشق، وخرج المعتمد من سامرّا على وجه التّنزّه، وقصده دمشق، فلمّا بلغ ذلك الموفّق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده، فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد، فلقيه بين الموصل والحديثة، فقال: يا أمير المؤمنين، أخوك في وجه العدوّ وأنت تخرج عن مستقرّك ودار ملكك، ومتى صحّ هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجيّ، فيغلب عدوّك على ديار آبائك؛ في كلمات أخر، ثم وكّل بالمعتمد جماعة، ورسم على طائفة من خواصّه، ثم بعث إلى المعتمد يقول: ما هذا بمقام فارجع، فقال المعتمد: فاحلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني: فحلف له، وانحدر إلى سامرّا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق، فسلّمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكّل به خمسمائة رجل يمنعون من الدّخول إليه؛ ولمّا بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع وأموال، وأقطعه ضياع القوّاد الذين كانوا مع المعتمد، ولقّبه ذا السّيفين (١)، ولقب صاعدا ذا الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربط؛ وقال المعتمد في ذلك (٢): [من الوافر]
أليس من العجائب أنّ مثلي … يرى ما قلّ ممتنعا عليه؟
وتؤخذ باسمه الدّنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرّا … ويمنع بعض ما يجبى إليه
وهو أوّل خليفة قهر وحجر عليه ووكّل به.
ثم أدخل المعتمد واسط، ولمّا بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء، والقضاة،
(١) في الأصول: ذا السندين!. وانظر تاريخ الطبري ٩/ ٦٢٢ وتاريخ الإسلام ٢٠/ ٣٢. (٢) عدا الثالث في فوات الوفيات ١/ ٦٦ ومآثر الإنافة ١/ ٢٥٤ وتاريخ الإسلام ٢٠/ ٣٢.