للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قد نشأت بالطّائف، وتعلّمت الأدب، وروت الأشعار، فأغري المتوكّل بها، ثم إنه غضب عليها، ومنع جواري القصر من كلامها؛ فدخلت عليه يوما، فقال لي: قد رأيت محبوبة في منامي كأنّي قد صالحتها وصالحتني؛ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين؛ فقال: قم بنا لننظر ما هي عليه؛ فقمنا حتّى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب على العود وتقول: [من المنسرح]

أدور في القصر لا أرى أحدا … أشكو إليه ولا يكلّمني

حتّى كأنّي أتيت معصية … ليست لها توبة تخلّصني

فهل شفيع لنا إلى ملك … قد زارني في الكرى وصالحني؟

حتّى إذا ما الصّباح لاح لنا … عاد إلى هجره فصار مني

فصاح المتوكّل، فخرجت، فأكبّت على رجليه تقبّلهما، فقالت: يا سيّدي، رأيتك في ليلتي هذه كأنّك قد صالحتني؛ قال: وأنا واللّه قد رأيتك؛ فردّها إلى مرتبتها؛ فلمّا قتل المتوكّل صارت إلى بغا، وذكر الأبيات السابقة.

وأخرج عن يحيى بن البحتري [لأبيه] يمدح المتوكّل فيما رفع من المحنة، ويهجو ابن أبي دواد بقوله (١): [من الوافر]

أمير المؤمنين لقد سكنّا … إلى أيّامك الغرّ الحسان

رددت الدّين فذّا بعد أن قد … أراه فرقتين تخاصمان

قصمت الظّالمين بكلّ أرض … فأضحى الظّلم مجهول المكان

وفي سنة رمت متجبّريهم … على قدر بداهية عوان

فما أبقت من ابن أبي دواد … سوى جسد يخاطب بالمعاني

تحيّر فيه سابور بن سهل … فطاوله ومنّاه الأماني

إذا أصحابه اصطبحوا بليل … أطالوا الخوض في خلق القرآن


= الخلفاء ٩٦.
(١) تاريخ بغداد ٧/ ١٦٩ - ١٧٠، ديوان البحتري ٤/ ٢٢٩٠. وفي الأصول: وأخرج عن علي البحتري!!.

<<  <   >  >>