أوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللّه، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ في مثل ذلك من الوصيّة.
فلمّا توفي خرجنا به نمشي، فسلّم عبد اللّه بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه؛ فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا، اجتمع هؤلاء الرّهط، فقال عبد الرّحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم.
فقال الزّبير: قد جعلت أمري إلى عليّ؛ وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرّحمن؛ وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. قال: فخلا هؤلاء الثّلاثة، فقال عبد الرّحمن: أنا لا أريدها، فأيّكما يبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه؟ واللّه عليه والإسلام لينظرنّ أفضلهم في نفسه وليحرصنّ على صلاح الأمّة؟ فسكت الشّيخان عليّ وعثمان، فقال عبد الرّحمن: اجعلوه إليّ، واللّه عليّ لا آلوكم عن أفضلكم؛ قالا:
نعم؛ فخلا بعليّ وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من رسول اللّه ﷺ ما قد علمت؛ اللّه عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ ولئن أمّرت عليك لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ قال:
نعم؛ ثم خلا بالآخر فقال له كذلك؛ فلمّا أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه عليّ.
وفي «مسند أحمد» عن عمر، أنّه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجرّاح حيّ استخلفته، فإن سالني ربي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول:
«إنّ لكلّ نبي أمينا وإن أميني أبو عبيدة بن الجرّاح» فإن أدركني أجلي - وقد توفّي أبو عبيدة - استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربّي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة» وقد ماتا في خلافته.
وفي «المسند» أيضا عن أبي رافع، أنّه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصا سيّئا، ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجرّاح.
قلت: أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة، ودفن يوم الأحد مستهلّ المحرّم الحرام، وله ثلاث وستّون سنة، وقيل: ستّ وستّون، وقيل: إحدى وستّون، وقيل: ستّون، ورجحه الواقديّ، وقيل: تسع وخمسون، وقيل خمس أو