وكان في بدء أمره لا يأكل إلا من المباح، يجمع الأشنان بيده، وتارة يحصد، فلما كبر وأسن، كان يأمر من حوله من الفقراء والأصحاب، فيخرجون إلى الصحراء، فيزرعون زرعًا ويحصدونه، فإذا حصل، قال لهم: لا ترفعوه، حتى تدفعوا إلى السلطان نصيبه منه، وكانوا يفعلون ذلك، حتى يدفعوا من التبن ما يخصه. وكان السلطان نور الدين يتردد إلى زيارة جده، فوقف على الشيخ غابة من أرض الفرات، فتورع عنها، وسبلها للمسلمين، فكانوا يأخذون منها الخشب، وينتفعون به، وربما احتاج هو إلى شيء من الخشب للعمارة، فيشترى له ولا يأخذ منها شيئًا، تورع منه.
وصنع له بعض أصحابه في بعض الأيام طعامًا فيه جزر، فلما وضعه بين يديه، قال له الشيخ: من أين اشتريت هذا الجزر؟، فإنه حرام!. فقال: من السوق؟ فقال: امض إليه واسأله عنه من أين اشتروه؟، فمضى وسأل عنه، فوجده قد اشتري من طعمة المكاسين!!.
وقال الشيخ إبراهيم البطائحي: كان الشيخ ﵁ لا يقبل خمسين درهمًا [جملة واحدة]، ويقول: خمسون درهمًا غنى فقير.
وتوفي يوم الأحد سلخ رجب سنة ثمان وخمسين وستمائة، بقرية «علم» ودفن بها، في تابوت، لأجل نقله، فإنه أوصى بذلك.
قال حفيده: أخبرني والدي قال: أوصاني والدي أن أدفنه في تابوت، وقال: يا بني! أنا لا بد أن أنقل إلى الأرض المقدسة. وكان كما قال، فإنه نقل بعد موته باثنتي عشرة سنة، إلى جبل [قاسيون]. قال: وكنت فيمن حضر خروجه من قبره، وسرت معه إلى دمشق، وشهدت دفنه، وذلك صبيحة يوم الجمعة، تاسع المحرم، سنة سبعين وستمائة. ورأيت في سفري معه عجائب، ذكرها. وقد جمع له حفيده سيرة في أربع كراريس.
ومنهم:
[٦٧] عليُّ البَكَّاء (١)
الصالح المشهور، ما زايل الدمع حتى خدَّد خديه، ونزل خاضعًا لديه، وترك
(١) ترجمته في: الوافي بالوفيات ٢٢/ ٣٥٧ رقم ٢٥٠، المقتفي للبرزالي ١/ ورقة ٢٧ ب عقد الجمان ٢/ ٩٨ - ٩٩، البداية والنهاية ١٣/ ٢٦٢، السلوك ٢/ ٦٠٤/ ١، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٦١ - ٦٧٠ هـ) ص ٣٠٩ - ٣١٠ رقم ٣٤٩.