للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أطبخ لكم بالسخرة وان اذبح لكم وأسلخ بالسخرة، وأنا هذا ما أفعله، ولا آخذ إلا طعامًا مطبوخًا، لا يكون عليَّ في أكله كثير تعب، وبعد هذا ما أكله إلا بالأجرة، قم عني، قم!. فقام، وأتى أصحابه، وأعلمهم، فعملوا له أطعمة فاخرة، ثم بعثوا معها مائة دينار، حتى أكل من الطعام، وفرق الذهب بأجمعه في سبيل الخير.

قال شيخنا شهاب الدين وكان هذا دأب الشيخ محمد، ومهما جاءه، فرقه على المستحقين، لا يدخر شيئًا منه، وكان عنده لكل طعام أجرة، وكل ما كان الطعام أفخر، كانت أجرته على أكله أكثر، حتى سُمِّي بالأكال لذلك، وكان من أقل الناس أكلا. هذا ما حكاه لي.

وأصله من جبل بني هلال، ومولده بقصر، حجاج، خارج دمشق، سنة ستمائة. وكان رجلًا صالحًا، كثير الإيثار، وحكاياته مشهورة في أخذه الأجرة على ما يأكله وما يقبله من بر الأمراء والملوك وغيرهم، مشهورة، ولم يسبقه إلى ذلك أحد، ولا اقتفى أثره من بعده.

قال اليونيني في «الذيل»: ولا شك أنه كان له حال ينفعل له بها ذلك، وجميع ما يفتح به على كثرته يصرفه في القرب، وتفقد المحابيس وغيرهم من المحاويج، والأرامل والمنقطعين. وكان بعض الناس ينكر على من يعامله بهذه المعاملة، وينسبه في فعله، فإذا اتفق اجتماعه به انفعل له انفعالًا كليًا، ولا يستطيع الامتناع من إعطائه كل ما يروم، وكان مع هذا حسن الشكل، مليح العبارة، حلو الحديث، له قبول تام من سائر الناس.

قال قطب الدين اليونيني: وكان كثير المحبة في والدي، والتردد إليه، لما نزل دمشق في سنة خمس وخمسين وستمائة، والأكل عنده بغير أجرة، وهو مطلق عنده دون غيره.

توفي بدمشق في خامس شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة.

ومنهم:

[٦٥] عبد العزيز ابن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خَلَف الأنصاري، الأوسِيُّ، أبو محمد، شرف الدين (١)

شيخ الشيوخ بحماه، علم زهد، ومجنى شهد، وسلالة أجداد جادوا، وآباء


(١) عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري الأوسي، شرف الدين، المعروف بابن قاضي =

<<  <  ج: ص:  >  >>