من أين، ومعاشه لا يحمل بعضه. وكان على قدم عظيمة، وسلوك مشق على غيره.
وحدثني الحافظ العلائي قال: لما اشتد الخوف بأهل دمشق نوبة شقجب، فغدا الشيخان محمد الأرموني، ومحمد بن قوام في الجامع الأموي، واجتمع إليهما الناس، وشرعوا في التوجه إلى الله تعالى، وقرؤوا الحديث الشريف، فلما أكملوا القراءة والدعاء أذن للمغرب، وكان ذلك في رمضان، قام الشيخ نجم الدين الخشكنانكي، ومعه علبتان من الكعك المحشو، تقدير ما يكون في مثليهما عشرون كعكة، فأعطى كل واحد من الشيخين كعكين كعكين، ثم فرَّق على بقية الناس كذلك، وكان الجامع مملوءًا من الناس، لو فرَّق عليهم ثلاثمائة علبة لم يكفهم!، ولم يفطن أحد لذلك في ذلك الوقت، ولا فيما بعده حتى مات، فلما وضع سريره للصلاة عليه، لم يبق إلا من ذكر تلك الكرامة، وعدها من كراماته.
وحدثني صاحبنا الشريف محمد بن أحمد بن علي بن ظاهر الحسيني، قال: كانت لنا دار بالخضراء، وظهور بعضها لغيرنا وكنا في غاية الضرر بملك الغير لها، فباعها مالكها من رجل كان من خاصة الأعسر، فلم يقدر على منازعته بالشرع ولا بغيره، ودخلنا عليه بكل أحد فلم ينزل لنا عن البيع، فذهبت أنا وأمي إلى الشيخ نجم الدين، وكنا لا نعرفه، ولكنا نسمع بخبره، ونعرف مكانته عند الناس، فحدثناه لعله يكلمه، أو يكلم الأعسر لنا، فقال: أما الأعسر، فإني لا أعرفه، وأما هذا الرجل فأحدثه. ثم قام معنا حتى أتيناه، فقلنا له: هذا هو. فسلم عليه، ثم قال: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وهؤلاء أحق بهذه الدار، والله قد قدمهم للجوار وللخلطة، فدعها لهم. فقال: قد تركتها لهم - وما كان والله يعرفه - فذهبنا، فأتينا بالدراهم، ولم نبرح حتى تكاتبنا، وتسلَّمنا المبيع، وأراحنا الله من ضرر جواره. ثم إن ذاك الرجل كان يقول: والله ما أعرف كيف سحرني ذاك الشيخ؟. ولا يزال نادمًا على الإجابة للبيع. توفي رحمه الله تعالى … ... … .
ومنهم:
[٧٦] علي السَّقْبَاوِيُّ الكردي الأصل (١)
رجل عرف عرفانه، وألف السهر حتى جَفَت النوم أجفانه، وكان بطل كتائب
(١) الزاهد الكبير الشيخ علي بن حسن السقباني. توفي سنة ٧١٢ هـ عن نيف وثمانين سنة. ترجمته في: ذيل تاريخ الاسلام (السنوات ٧٠١ - ٧٤٦ هـ) ص ١٢٠ رقم ٣٦٦.