للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

له الأوان، وحان أن يُدعى إلى الجنَّة ورضوان، فطاب مضجعا، وقدم مقدمًا ومرجعا. وكان شيخًا ساذجًا، كبير التواضع، دائم الذكر، دائم التوجه، عاريًا عن التكلف والتصنع، عارفًا بالله، صاحب أحوال ومكاشفات. امتحنه جماعة من أعيان الناس في أمر المكاشفات، فكان يأتي بها أسرع من رجع البصر.

وعظم شأنه في آخر عمره، وقصده الناس رجاء بركته. وكانت له زاوية يُمَدُّ بها السماط للواردين والمقيمين، وكان علماء الوقت مثل ابن الفركاح، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، يعظمونه، ويترددون إليه، ويثنون عليه، ويصفونه بالصلاح والولاية، ويبالغون فيه إلى الغاية. وحدثني صاحبنا ناصر الدين محمد بن الفارس المعروف بالحاجبي: توفي يوم الثلاثاء عاشر المحرَّم، سنة أربع وتسعين وستمائة، بقرية منين، ودفن بها.

ومنهم:

[٧٣] عُثمانُ المنيني المعروف بالقريري (١)

رجلٌ يُعَدُّ برجال، وبطل لا يزاحم في مجال، وعجّل وكم قضيت به آجال، كان بدرًا تماما، وبين ثوبيه أسدًا ضرغاما، لا تتوقى له سهام، ولا يرد بالجيش اللهام.

حدثني عنه والدي، والصدر جمال الدين يوسف بن رزق الله العمري - رحمهما الله تعالى - قالا: لما اشتد بأهل بعلبك الأمر نوبة غازان ونحن إذ ذاك بها، كان فيها الشيخ عثمان، وكنا نتعهد زيارته، وأبواب المدينة مفتحة، فلما نازلها بولاي غلقت الأبواب واشتد الخوف، ثم أتينا الشيخ عثمان للزيارة، فوجدنا قطب الدين بن اليونيني خارجًا من عنده، فقال: دخلت على الشيخ فلم يكلمني، ووجدته منكرًا، فلم أجلس، والرأي أن ترجعوا، فإن هذا رجل له بادرة. فقلنا: لا بدَّ أن ندخل، فدخلنا عليه. قال والدي: فالتفت إليَّ وقال: يا محيي الدين! لأي شيء غلقتم أبواب المدينة؟. فقلت له: يا سيدي!! خوفًا من [بولاي] فإنه قد جاء ونزل عليها، وربما أنه يريد أن يحاصر. قال: فغضب الشيخ غضبًا شديدًا، واحمرت عيناه، وجثا على ركبتيه، وطلعت الزبدة على شدقيه.

قال والدي وابن رزق: والله حتى ظنناه سبعًا يريد أن يفترسنا، وبقي على هذه


(١) ترجمته في: أعيان العصر ٣/ ٢٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>