سره: حاجتك في مصر!. فخرج يريد مصر، وجعل عليه أن لا يسأل أحدًا شيئًا، وكان شديد الفاقة، وكان لا يأكل إلا من مباحات الأرض، فلما عدا غزة بفراسخ، دخل الرمل، فقال: أيتها النفس، ليس هنا ما تقتاتين به فصبرًا على الجوع، أو فالرجوع، ثم قوى عزيمته، ودخل الرمل حتى أتى «قطيا» ولم يطعم طعامًا تلك الأيام، فلما دخل «قطيا» رأى ما في أسواقها، فغض بصره حتى خرج منها، وأتى حائطًا في منقطع الحدائق بها، فقال في ظله، فلم ينتبه إلا في رجل أتاه بزنبيل فيه من كل ما في السوق من حار وحلو وحامض، ثم قال له: يا عبد الله! كُل، فأمسَكَ. فقال له: كُلْ، فأنت ما سألت، وإنما سُئلت فأكل ثم رفع يده، فقال له: كُل، يا عبد الله!، للأيام التي لم تأكل فيها من غزة إلى هنا وللأيام التي تريد أن لا تأكل فيها من هنا إلى غزة، وارجع من حيث أتيت، فقد انقضى شغلك الذي جئت في طلبه بمصر. قال: فأكل الفقير أكلًا ما كان يعهده من نفسه، ولا يظنه، حتى أتى [على] ما في الزنبيل عن آخره، ثم ناوله ذلك الرجلُ ماءً مبرَّدًا، فشرب منه، ثم قال له: قم، فارجع، فقام فرجع، وقد انقضى شغله، ووصل ما كان أراد.
ولما توفي الشيخ حماد في [ … ]، حضرت جنازته، فلم أر يوم دخول السلطان إلى مدينة، ولا يوم خروج، حاج، ولا يوم عيد، كان أحفل من جنازته، وكان الناس منتشرين من مرج الدحداح بموضع موته، إلى مقابر باب الصغير، موضع دفنه، ما لأحد موضع أكثر من مكان قدمه، وشهدها عامة أهل دمشق.
ومنهم:
[٧٩] محمد بن نبهان (١)
من بيت ما منهم إلا ولي تتشبث ذيله المطر، ويتشبه به النسيم إذا خطر، بناة عليا، وأساة قلوب أموات وأحيا، وما زالوا غيوم سما، ونجوم ظلما، وفي كل وقت منهم رجل شقيق شفيق، وسر السرى في علم التحقيق، سكنوا بيت جبرين من البلاد الحلبية، فهب نسيمهم شمالا، ووهب كرمهم، آمالا، وكانت تأتيني أخباره كما يقذف الروض بنشره وكان السبب في المعرفة به الشيخ التقي عبد الله بن الخطيب،
(١) محمد بن نبهان بن عمر بن نبهان الجبريني. ترجمته في: الوافي بالوفيات ٥/ ١٠٩ رقم ٢١٢٢، الدرر الكامنة ٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٧٥٧، أعلام النبلاء ٤/ ٥٨٤.