للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكتبت إليه كتابًا مضمونه: [من الخفيف]

قيل جبرين منزل لابنِ نَبها … ن مَحُوطٌ بمحكم التنزيل

قدْ تَبدًا محمدٌ في رباها … عَلَمًا للسارين وابن السبيل

بوقار كأنه الليلُ خَوفًا … وجبين نير كالقنديل

ليس يخشى الضَّلالَ مَنْ أَمَّ مِنهُ … حَضْرةً أشرقت على جبريل

سلام الله وتحياته وبركاته على تلك الحضرة الطاهرة، جمعنا الله وإياها على التقوى في الدنيا والآخرة.

حضرة سيدي الشيخ السيد القدوة المسلك، جامع الطرائق، منتخب الحقائق، أبي عبد الله محمد بن سيدي الشيخ نبهان، نبه الله القلوب به، ونور البصائر بأغلاقها.

نسبته العبد الفقير المعترف بالتقصير أحمد بن فضل الله. لما زاد شوقه إلى هذه الحضرة المقدسة، لما سمع من أخبارها، واقتبس قلبه الكليم من أنوارها، وكان الشيخ تقي الدين بن الخطيب ممن اتفق معرفته من الإخوان، وكان من نبهاء الطائفة المنسوبة إلى نبهان، وأخذ بزمام القلوب إلى الانتظام في هذا العديد، وجد بها إلى هذه النسبة الشريفة، وإن كان لا يصلح لها نبوة كل مزيد. كتب العبد الفقير الراغب في القبول له، والإقبال عليه، هذه الأحرف حال وداعه متعرفًا إلى هذا الجناب، ومتعلقًا منه بأدنى الأسباب، فإن فتح له، وإلا فكسير لا ينثني وهو وراء الباب.

ثم كانت بيننا المكاتبات لا تنقطع، وكنت أتمنى لقاءه، ولم أستطع، وكان على قدم آبائه في إطعام كل زائر، وبر كل آمل، وإعانة كل مظلوم، وإغاثة كل ملهوف، ولم يزل أمراء حلب تجل أقدارهم، وتستأمر مستشارهم. ولما قدمت حلب سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، رأيت هذا الشيخ، وقد جاء إلى الطنبغا ملك الأمراء، مسلمًا عليه، فرأيت رجلًا يملأ العين والصدر سيماؤه على جلالة القدر. ولما اجتمع بالطنبغا، أكرمه إكرامًا يليق بمثله، وعامله معاملة عارف بفضله، إلا أن الشيخ أنكر عليه ما فعله بطشتمر، وخوفه عاقبة البغي، ويوشك أن يؤخذ قريبًا، فثقل عليه كلامه، وقام الشيخ وقد طال عليه مقامه، هذا، ولم تأت الأخبار بقصد الفخري دمشق، إلا أنه قد طاح إلى الخبر سرًا، ولم نظهر عليه أحدًا، إلا أنا والطنبغا. ثم لم نلبث أن جاءت الأخبار، فلما كان يوم الجمعة الآتية في أسبوع قدومنا، صلينا الجمعة في جامع الطنبغا، قريبًا من سوق الخيل بحلب، فقيل لي: إن الشيخ في بيت له، فدخلت، وجلست إليه، وأخذنا في الحديث، فقال لي: يا أخي! هذا الرجل قد آن أن يُطل دمه، وأرى النصح لا يلج أذنه، فعرفته خبر الفخري، وما كان منه، فقال: هذا الرجل ينهزم

<<  <  ج: ص:  >  >>