للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى كأن رقيبًا منك يهتف بي: .. إياك ويحك والتذكار إياكا!

وقال: «كنت في طريق، في وسط السنة، فإذا أنا بهميان ملآن يلمع دنانير، فهممت أن أحمله لأفرقه بمكة على الفقراء، فهتف بي هاتف: إن أخذته سلبناك فقرك!. قال: فتركته».

وقال: رأيت في الشام شابًا لم أر أحسن منه، قلت: من أنت؟ قال: أنا التقوى. قلت: فأين تسكن؟. قال: في كل قلب حزين. قال: ثم التفت فإذا امرأة سوداء، كأوحش ما يكون. فقلت: من أنتِ؟ فقالت الضحك!. قلت: فأين تسكنين؟. قالت: في كل قلب فَرِح مَرِح. قال: فانتبهت واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة.

وقال: «العبادة اثنان وسبعون بابًا؛ أحد وسبعون منها في الحياء، واحد في أنواع البر».

وقال: «وجدنا دين الله مبنيًا على ثلاثة أركان: الحق والعدل، والصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول».

وحكى عن نفسه أنه بقي عشرة أيام لم يأكل شيئًا، فشكا إلى بعض إخوانه الجوع. قال: ثم مررت ببعض الأزقة، فنظرت إلى درهم مطروح، عليه مكتوب: أما كان الله تعالى بجوعك عالمًا حتى قلت: إني جائع؟.

ومنهم:

[٣٦] أَبُو إِسْحَاقَ، إبراهيم بن داودَ القَصَّارُ الرقي (١)

من كبار مشايخ الشام. قنع بقليل المعاش، ومات فقيل: عاش، ولم يرد من الدنيا رياشًا، ولم يرد سكنًا منها ولا رشاشا، فحمل على النفس ضيمها، وترك لأهوائها تقشعها وغيمها، فلم يمدّ إليها يدا، ولا عدَّ فيها أصدقاء ولا عدا، وكان يقطع الأيام مراحل، ويقذف بحر الليل ليقف على الساحل، يطلب بعنته طلاب الصائد، ويجعل تحت كل بر شركًا للمصايد، فلم يقبل معتذرًا، ولا يقبل إلا حذرا. وكان من


(١) ترجمته في: طبقات الأولياء لابن الملقن ٢٩ - ٣٠ رقم ٧، حلية الأولياء ١٠/ ٣٥٤ رقم ٢٦، الرسالة القشيرية ١/ ١٥٤، طبقات الشعراني ١/ ١١٩، صفة الصفوة ٤/ ١٦٩، طبقات المناوي ١/ ١٩٢، المنتظم ٦/ ٢٩٤، تاريخ الإسلام (السنوات ٣٢١ - ٣٣٠ هـ) ص ١٨٨ رقم ٢٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>