ولما دفن رأى بعض الصالحين النبي ﷺ وهو يقول: من زار أبا عمر ليلة الجمعة، فكأنما زار الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة.
قال أبو المظفر: وأنشدني أبو عمر لنفسه: [من الطويل]
أَلَمْ يكْ مُلْهَاةً عن اللهو أنني … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم
أَلَمْ بي الخطبُ الذي لو بكيتهُ … حياتي حتى يَنْفَدَ الدمع لمْ أَلَمْ
قال: وكان على مذهب السلف الصالح سمتًا وهديًا، وكان حسن العقيدة، متمسكًا بالكتاب والسنة، والآثار المروية، يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين، وكان ينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ. وأنشد لنفسه أيضًا: [من الرجز]
أوصيكم بالقول في القرآن … بقول أهل الحق والاتقان
ليس بمخلوق ولا بفان … لكن كلام الملك الديان
آياتُهُ مُشرقةُ المَعاني … متلوَّةٌ الله بالان
محفوظة في الصدر والجَنانِ … مكتوبةٌ في الصُّحْفِ بالبنان
والقول في الصفات يا إخواني … كالذات والعلم مع البيانِ
إمرارها من غير ما كُفرانِ … مِنْ غَيرِ تشبيه ولا عُدوان
وقال أبو شامة: أخبرني بعض أصحابنا الثقات، أنه رأى الإمام الشافعي في المنام، فسأله: إلى أين تمضي؟. قال: أزور أحمد بن حنبل، قال: فاتَّبعته، أنظر ما يصنع؟. فدخل دارًا، فسألت لمن هي؟ فقيل: للشيخ أبي عمر - رحمه الله تعالى. وقال أبو شامة: وأول ما وقفت على قبره وزرته، وجدت بتوفيق الله تعالى رِقَةٌ عظيمة، وبكاء، وكان معي رفيق لي، وهو الذي عرفني قبره، وجد أيضًا مثل ذلك، رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٤] عبد الله بن عثمان بن جعفر بن أبي القاسم محمد اليونيني (١)
ملجأ لخائف، وملجم للسان كل مفتر وحائف. صفت له أيامه صفاء الزجاجة،
(١) ترجمته في: مرآة الزمان ج ٨ ق ٢/ ٦١٢ - ٦١٧، وذيل الروضتين ١٢٥ - ١٢٨، ونهاية الأرب ٢٩/ ١١١ - ١١٣، والإشارة إلى وفيات الأعيان ٣٢٣، ودول الإسلام ٢/ ١٢١، والعبر ٥/ ٦٧، ٦٨، =