للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٦٤] الأَكَالُ، مُحَمَّدُ بنُ خَلِيل بنِ عَبدِ الوَهَّابِ بنِ بَدرٍ، أَبُو عَبدِ الله البِيطَارُ (١)

حبب إلى الناس حُسن منظره، ويمن محضره، فكانوا يَغْشَونه، وكادوا بهدب الأجفان يعشونه؛ لأنهم كانوا للنصح لا يستغشونه، ولخالص الود معه لا يغشونه، فكان لا يزال مجلسه معمورا، ومُجَالِسُه معذورا، رغبة في أنسه، ومحبة لنوعه الغريب في جنسه. وكان يقصد من السلطان فمن دونه بأطايب الطعام، ومواهب الإنعام، وتنوع له تلك الأطعمة، وتبذل في النفقات عليها الأيدي المنعمة، ولا يأكل إلا بالأجرة تلك المآكل، ثم يجعل تلك الجعالة للأرمل والثاكل، فما جاءه منها بالأجرة مقربًا أكل منه، وأطعم، وفضّ ختام ذلك المبلغ وأنعم، وما جاءه بغير شيء رده، وتركه ما مد إليه ولا مده.

ويحكى عنه في هذا حكايات غرائب ونوادر: حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب ، قال: اجتمع طائفة من الأمراء يومًا، فتحدثوا في طريقة الشيخ محمد، فقالوا: نريد نغلبه، ونتحيل حتى يأكل شيئًا بغير أجرة!. فقال واحد منهم: أنا أفعل هذا، فبعث، فاشترى رأسين سمان من الغنم، ثم عمد إلى خرجين لطيفين، فملأ عين كل واحد منهما أرزًا والآخر سكرًا، ثم شدهما عليهما، وبعث بهما رجلًا استغفل الشيخ محمد، حتى أتى من الجامع، وفتح باب بيته، ودخل، فلما علم أنه قد صار داخل الدار، ساق الرأسين إلى داخل الدار، ثم ردَّ الباب عليهما وسكره، فلما شعر الشيخ محمد بدخولهما، خرج فرآهما، فقال: نعم، يريدون انني آكل هذا بلا أجرة، لا كيد، ولا كرامة، والرجل الذي أحضرهما خارج الباب يسمع، فانطلق إلى أصحابه، وأخبرهم. ثم إن الشيخ محمدًا لم يزل بالباب حتى فتحه، وأخرج الغنم إلى الزقاق بما عليهما وطردهما، وجعل يقول: يا غنم! إن كان لهم حاجة يبعثوا معكِ الأجرة حتى آكل، وإلا ما آكل. فلما أبعدت الغنم رجع الشيخ محمد إلى داره، وتمت الغنم جارية تشق الأسواق، والطرقات، حتى أتت دار القيامرة، فدخلت إلى الموضع الذي بعثت منه، بما عليها، لم يتعرّض لها أحد!. فلما رأوا ذلك أكبروه، ثم ركب بعض أولئك الجماعة لزيارة الشيخ على عادتهم، فلما دخلوا عليه قال: إنكم شُطار ملاح، أردتم أن آكل لكم بالسخرة وما كفاكم هذا حتى أردتم ان


(١) ترجمته في: الوافي بالوفيات ٣/ ٤٩، فوات الوفيات ٣/ ٣٥١ - ٣٥٢ رقم ٤٤٩، ذيل الروضتين ٢٠٧، البداية والنهاية ١٣/ ٢٢٩، عيون التواريخ ٢٠/ ٢٤٥، شذرات الذهب ٥/ ٢٩٤، ذيل مرآة الزمان ١/ ٣٨٩ - ٣٩٢، العبر ٥/ ٢٤٨، تاريخ الاسلام (السنوات ٦٥١ - ٦٦٠ هـ) ص ٣٦٢ رقم ٤٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>