فنزلت عن دابتي، وجعلت آكل من ذلك الخُبَّازَى، وشربت من ذلك الماء، وإذا بهاتف يهتف بي: يا سري! فالنفقة التي بلغت بها إلى هذا الموضع، من أين؟.
وقال: «أحب أن آكل أكلة ليس الله عليَّ فيها تبعة، ولا لمخلوق علي فيها منة، فما أجد إلى تلك سبيلًا».
ودخل عليه رجلٌ في مرضه يعوده، فقال له: كيف تجدك؟. فقال: [من الحفيف]
كَيْفَ أَشكو إلى طبيبي ما … والذي بي أصابني من طبيبي
فأخذ الرجل المروحة يروح عليه، فقال له السَّري: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟. ثم أنشأ يقول: [من البسيط]
القلب محترق، والدمعُ مُستبقُ … والكَربُ مُجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على مَنْ لا قرار له … ممَّا جَناهُ الهوى والشوق والقَلَقُ
يا رب إن كان شيء فيه لي فرجٌ … فامنن علي به ما دام بي رَمَقُ
ودخل عليه رجل، وهو يجود بنفسه، فجلس عند رأسه وبكي، فسقط عليه من دموعه، ففتح عينيه، ونظر إليه، فقال له الرجل: أوصني. فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تُشْغَلَنَّ عن الله بمجالسة الأخيار.
توفي السَّري ﵁ سنة سبع وخمسين ومائتين. وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: في رمضان سنة خمسين. وكانت وفاته في بغداد. وكان كثيرًا ما ينشد: [من الطويل]
إذا ما شكوتُ الحبَّ قالت كَذبَتْنَي … فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فلا حُبَّ حتى تُلصِقَ الجِلدَ بالحشا … وتُذهَلَ حتى لا تُجيب المناديا
وتنحل حتى لا يُبقي لَكَ الهوى … سوى مُقلةٍ تبكي بها وتناجيا
ومنهم:
[١٩] أَبُو زَكَرِيَّا، يَحيَى بْنُ مُعَادُ الرَّازِي الوَاعِظُ (١)
ترك الدنيا أنكاثا، ومرَّ فيها عابر سبيل لا إمكاثا، فما حط عن قلاصه، ولا حل
(١) ترجمته في حلية الأولياء ١٠/ ٥١ - ٧٠ رقم ٤٦٣، وطبقات الصوفية للسلمي ١٠٧ - ١١٤، والرسالة القشيرية ٢١، والفرج بعد الشدّة للتنوخي ٣/ ١٤٣، وربيع الأبرار ٤/ ١٣٨، وتاريخ بغداد ١٤/ ٢٠٨ رقم ٧٤٩٧، والمنتظم ٥/ ١٦، ١٧ رقم ٣٢، والإشارات إلى معرفة الزيارات للهروي ٩٩، والكامل في التاريخ ٧/ ٢٥٨، وفهرست ابن خير ٥١٩، وآثار البلاد وأخبار العباد =