للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال لي: والله ما نمت حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم ، وتدرك الفعل. فلما أصبحنا رحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس.

قال: وعزمت مرة على دخول نصيبين، وكنت عند الشيخ يونس في قريته، فقال: إذا دخلت البلد فاشتر لأم مساعد كفنًا، قال: وكانت في عافية، وهي أم ولده، فقلت له: وما بها حتى نشتري لها كفنًا؟ فقال: ما يضر، فذكر أنه لما عاد وجدها قد ماتت!.

وذكر له غير هذا من الأحوال والكرامات وأنشدني له مواليا، وهو: [من المواليا]

أنا حميتُ الحِمى وانا سكنت فيه … وأنا رميت الخلايق في بحار التيه

مَنْ كانَ يبغي العطا مِنِّي أنا أُعطيه … أنا فتى ما أداني من به تشبيه

قال ابن خلكان: وذكر لي الشيخ محمد المذكور أن الشيخ يونس توفي سنة تسع عشرة وستمائة في قريته، وهي «القُنَيَّة»، من أعمال «دارا»، وقبره مشهور بها يزار، وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره. رحمه الله تعالى.

ومنهم:

[٥٦] السَّاوجي شَيْخُ القَلَنْدَرِيَّة، جَمَالُ الدِّين، محمد الزَّاهِد (١)

أليف حال لو صُبَّ على الصخر لتصدع، ولو استوقف به المفارق لما وَدَّع، كان لا يصدف مسمعًا، ولا يصرف في غير الهوى العذري مدمعًا، هام بالحب فتيمه، وأثكله من أحب وأيَّمه شهدت البصائر من حاله ما أعجب، ومن فرط بكائه وانهماله ماء لولا النار لأعشب، فحمل إنسان عينيه ما لم يطق، وسقي بكأس من شرب منه لم يفق. وكان في مبدأ أمره إذا قدم دمشق بطلب العلم مشتغلا، وفي لهب الجد مشتعلا، ثم شمر للزهد إزاره، وانقطع سواء من هجره أو زاره، وأقام مجاورًا لمحلة الأموات، وجارًا للأعظم الرفات، ثم حلق شعر لحيته ورأسه، واتخذه شعارًا لأناسه، فلم يزل ريًا لأتباعه، وحلية لضباع قاعه وسباعه وربما أتى هو وبعض ذويه بمخاريق وكرامات، للإنكار فيها طريق. وأصحابه يُرْمَونَ باستعمال المسكر، إلا أنه الذي لا يُعصَر، والمسكر الذي يفعل فعل المُدام، ولا يعرف وينكر.

قدم دمشق، وقرأ القرآن والعلم، وسكن بجبل قاسيون بزاوية الشيخ عثمان الرومي، وصلى به مدة ثم حصل له زهد، وفراغ عن الدنيا، فترك الزاوية وانملس،


(١) ترجمته في: الوافي بالوفيات ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣ رقم ٢٣٥١، الدارس ٢/ ٢١٠، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٢١ - ٦٣٠ هـ) ص ٤٢٣ - ٤٢٤ رقم ٦٣٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>