وحدا النسيم الورق إذ باحث به … فالغُصْنُ وَجْدًا بالهوى يتحرك
والشمس تبسم عن قطوب المزن إذ … تبكي على الأرض السماء فتضحك
ومنهم:
[٧٥] نَجْمُ الدِّينِ الخَشْكَنَاكِيُّ
نجم كم أطلع هلالا، وأطعم مما حلا حلالا، ولم يزل كل ذي ورع ينتاب محله، ويختار من المآكل أحله، والعيون تترقب مواقيت تلك الأهلة، وتتوثب إلى تواقيت تلك الأكلة، وللناس ولع بذلك الخشكنان، وطمع فيما يؤثر من سعد القرآن، فتعجل إلى منادي تلك الدور والدار، وترى طعام أهل الجنة ما خرج من تلك النار، فكانت لا تبرح ترى أفواجًا على فرنها، وتسمع لجاجًا في مفاخرة العصور الذاهبة بقرنها، ولهذا كم أقسم منها بنون والقلم لكتابه وآثارها وما يسطرون.
كان رجلًا أشقر طُوَالًا، له حانوت بالسوق الكبير يعمل فيه الخشكنانك، ويبيعه، ويأخذ الثمن بالناقص، ويعطي بالزائد، ولا يرد درهمًا زائفًا، بل يأخذه ويعطي به الخشكنانك، ثم يقص الدرهم ويرميه في النار، قصدًا لتخفيف الزغل من نقود الناس ومعاملاتهم. وكان إذا سمع أذان المؤذن ترك شغله، وأتى الجامع فصلى فيه في أول صف. وفي يوم الجمعة لا يتسبب بل يجعله مقصورًا على القعود في مقصورة الخطابة، وانتظار الصلاة، حتى يصلي الجمعة. وكان كثير البر والصدقة والمعروف، ونفقاته أضعاف مكسبه، وأمثال معاشه وسببه، وكان معروفًا بالصلاح، مشهورًا بالولاية، وله أحوال عظيمة، وأمور غريبة، وطريقة مثلى، وأفعال حسني، إلى رياضة أخلاق، ودماثة جانب.
قالوا: إنه لم يشتر شيئًا حتى يزن ثمنه أولًا، ويجعله في يده، ثم ما يتسلم المبيع حتى يصير الثمن في يد البائع. هذا إلى عيادة مرضى، وتشييع جنائز، والقيام بحقوق إخوانه وأصحابه وجيرانه، والإفضال عليهم بتفقده، واشتهر أمره في زمانه، وأجمع عليه أهل وقته. وكان ابن تيمية وابن الفركاح، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، وغيرهم من علماء الوقت مجمعين على فضله وصلاحه، وكان الناس تحمل أولادهم وتأتي إليه ليمسح بيده على رؤوسهم، ويدعو لهم، ويعوذهم، فيفعل ذلك، ثم ما ينصرف واحد منهم حتى يعطيه خشكنانكة، أو خشكنانكتين أو أكثر من ذلك، ويعطي الناس على مقدارهم، وينزل الناس منازلهم، ويجزل لذوي الحاجة، حتى أن الفقراء
منهم كان يعطيهم مع الخشكنانك ما تيسر من الفضة أو الفلوس، ولا يعرف هذا المدد