وقال الجنيد: سألني السري يومًا عن المحبة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم: الإيثار، وقال قوم: كذا وكذا، فأخذ سري جلدة ذراعه، ومدها، فلم تمتد، ثم قال:«وعزَّته تعالى، لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت!» ثم غشي عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق. وكان السري به أدمة.
ويحكى عن السري أنه قال: منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي: الحمد لله، مرة. قيل: فكيف ذلك؟. فقال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي: نجا حانوتك!. فقلت:«الحمد لله، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيرًا مما حصل للمسلمين!!!.
وقال السري: صليت وردي ليلة، ومددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سري!! كذا تجالس الملوك؟. قال: فضممت إليَّ رجلي، ثم قلت: وعزَّتك لا مددتُ رجلي أبدًا، فما مددتها بعد ذلك.
ويحكى عن السري أنه قال: «أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا وكذا مرة، مخافة أن يكون قد اسود، خوفًا من الله تعالى أن يسود صورتي لما أتعاطاه».
وقال السري: أعرف طريقًا مختصرًا قصدًا إلى الجنة. فقلت: ما هو؟. فقال: لا تسأل من أحد شيئًا، ولا تأخذ من أحد شيئًا، ولا يكن معك شيء تعطي منه أحدًا.
وقال:«أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد. فقيل له: ولم ذلك؟. فقال: أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح!»!.
وقال الجنيد: دخلت يومًا على السري السقطي، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: جاءتني البارحة الصبية، فقالت: يا أبت هذه ليلة حارة، وهذا الكوز أعلقه ههنا. ثم إني حملتني عيناي فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق، قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنتِ؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان. فتناولت الكوز؛ فضربت به الأرض فكسرته. قال الجنيد فرأيت الخزف المكسور لم يرفعه ولم يمسه، حتى عفا عليه التراب.
قال: وسمعته يقول: «اللهم مهما عذبتني بشيء، فلا تعذبني بذل الحجاب».
وقال السري: غزونا أرض الروم؛ فمررت بأرض خضراء، فيها الخُبَّازى، وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي: لئن كنت أكلت يومًا حلالًا فاليوم!.