للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جياده في حلبة الخد تستبق، والأرض تصطبح منه وتغتبق. بكاء كان لا يجف منه جفنه، ولا يخف منه أفنه، قطع عليه مدة البقاء، واتخذ منه عدة اللقاء، هذا إلى حب للانفراد، فسكن من قلبه الشغاف وركن إلى خلبه للاطلاع والإشراف، حتى ثوى، ولكل امريء ما نوى، وأمسى وهو نزيل الخليل وجاره، وفوق وكر السرحان وجاره.

قال ابن اليونيني: حكى لي الملك المنصور سيف الدين قلاوون ، بغزة في شوال سنة خمس وسبعين وستمائة، وقد خرجت صحبته من الديار المصرية، فلما نزل غزة استأذنته في زيارة الخليل ، فقال لي: زر الشيخ عليًا البكاء، فإنه كبير القدر، وشرع في الثناء عليه وذكر مناقبه، فقال: لما كنا في الأيام الناصرية مع الملك الظاهر، زرته فدعا لي، وأخبرني بأمور تقع، فوقع أكثرها، وأعطاني قميصه، فكنت ألبسه تحت السلاح، فما أصابني نشاب ولا غيره وهو عليّ، وأصابني جراحات لما لم أكن لابسه، أو ما هذا معناه.

قال ابن اليونيني: فلما تسلطن الملك المنصور، وقع في خاطري أن ذلك ربما يكون من الأمور التي أخبره بوقوعها، والله أعلم.

قال: وسمي بالبكاء لكثرة بكائه.

حكي أنه سئل عن كثرة بكائه، فقال: كنت ببغداد، فرأيت رجلًا خرج منها، فتبعته، فلم يكن بأسرع من وصوله إلى عمارة لا أعرفها، فظننتها من قرى بغداد، ودخل مسجدًا وصلى فيه الظهر وخرج، وأنا في صلاة السنة، فخرجت، فرأيت وجوهًا أنكرتها، وبلدًا أنكرته، فسألت شيخًا هناك: ما هذه القرية؟. فقال: من أين أنت؟. فقلت: من بغداد. خرجت منها من ساعة. فقال: أظنك لا تعقل ما تقول، بينك وبين بغداد أكثر من سنة!. فقلت: والله لقد خرجت منها من أقل من ساعتين. فقال: حدثني قصتك. فحكيت له أمري عن حليته، فقال: إن كنت صادقًا فارجع إلى المسجد الذي دخلت إليه معه فانتظره، فإنه سيعود إليه. فرجعت إلى ذلك المسجد، فلما كان وقت العصر، حضر ذلك الشخص الذي تبعته، فلزمته، وتشبثت به، وبكيت، وتضرعت إليه، فانتهرني، ثم رق لي، ورجع بي إلى بغداد، فوصلناها في مثل المسافة التي خرجنا منها، وصحبته، وخدمته مدة، وأراد السفر، فأردت صحبته، فمنعني، وقال: لا تقدر على ذلك. وأنا مسافر إلى البلد الفلاني، وأموت في الوقت الفلاني، فإذا كان ذلك الوقت، فاحضر ذلك المكان، واشهدني. فلما دنا الميعاد، حضرت فوجدته في الموت، وقد توجه إلى الشرق، فأدرته إلى القبلة، وهو ينحرف إلى الشرق، وتكرر ذلك منه ومني، فنظر إليَّ، وقال: لا تتعب - هو إنما يموت نصرانيًا! - وتكلم بما يدين به

<<  <  ج: ص:  >  >>