قليل، دخل جماعة، وجلسوا حتى رصُّوا المجلس، فقال: هؤلاء الذين أخبرتكم عنهم، إنهم قوم أحرار، ظهرت في الكشف أسرارهم كما قلنا. وكان رحمه الله تعالى كثير العمل دائم المجاهدة في نفسه، ويأمر أصحابه بذلك، ويلزمهم بقيام الليل، وتلاوة القرآن، والذكر دأبه لا يفتر عنه، وفي كل ليلة جمعة يجعل لكل إنسان منهم وظيفة من الجمعة إلى الجمعة، وكان يحثهم على الاكتساب، وأكل الحلال، ويقول: أصل العبادة أكل الحلال.
وكان شديد الإنكار على أهل البدع، لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع به خلق. وكان يحث أصحابه على التمسك بالسنة، ويقول: ما أفلح من أفلح، وسعد من سعد إلا بالمتابعة، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٣). وكان يقول: ما اتخذ الله وليًا صاحب بدعة قط. قيل له: فإن اتخذه؟. قال: يُصْلِحه [وكان يقول: رجال الشام أمكن من رجال العراق، وأعرف]. وكان يتفقد الأرامل بنفسه، ويقضي حوائجهن. وجاءته امرأة فقالت له: عندي دابَّةٌ، وقد ماتت. وما لي من يجرها عني، فقال: امضي وحصلي حبلًا واتركيه عندها، حتى أبعث من يجرُّها. فمضت وفعلت ما قال، فجاء بنفسه، وربط الحبل في الدابة، وجرَّها إلى باب البلد. وكان لا يركب بغلًا، ولا حمارًا، ولا فرسًا. وإذا عطش وهو قاعد في المجلس مع أصحابه قام فشرب بنفسه، يريد بذلك تربية المريدين.
وكان في الزاوية رجل كبيرٌ مُسن، وكان به قطار البول، فأخذ تحته شيئًا يقطر فيه البول، فكان يقوم، ويريقه بنفسه، ويغسل ما أصاب الحصير منه. وكان لا يُمكن أحدًا من تقبيل يده، ويقول: إذا مكَّن الشيخ أحدًا من تقبيل يده، نقص من حاله شيء. وكان شديد الحياء، لا يقطع على أحد كلامه، ولا يُخجِلُ أحدًا بما يقول. وكان كثير التورع، يتحرّى في مطعمه، وملبسه، ويقول: الدين الورع، وهو أصل العبادة. وكان يتورع عن أموال السلاطين، والجند، وكان عن مال العرب أشدَّ تورعًا، لا يأكل لهم طعامًا، ولا يقبل لهم هدية. وكان للعرب عادة يمرون كل سنة بأرضنا مرتين، فإذا مرُّوا لا يأكل مما يباع في السوق، لا لحمًا ولا لبنًا ولا غيرهما، بل يتأدَّم بالزيت، وما كان من الأدم في البيت.
(١) سورة آل عمران: الآية ٣١. (٢) سورة الأحزاب: الآية ٢١. (٣) سورة الحشر: الآية ٧.