للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَرْضِ أُخْرَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، فَأَشْبَهَ حَافِرَ البِئْرِ فِي دَارِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ هَادِئَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُضْطَرِبَةٌ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مُوقِدَ النَّارِ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي أَرْضِهِ.

قَالَ: (وَإِذَا أَقْعَدَ الخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ فِي حَانُوتِهِ مَنْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ العَمَلَ بِالنِّصْفِ: فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الوُجُوهِ فِي الحَقِيقَةِ، فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ، وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ، فَيَنْتَظِمُ بِذَلِكَ المَصْلَحَةُ، فَلَا تَضُرُّهُ الجَهَالَةُ فِيمَا يَحْصُلُ.

قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمِلًا وَرَاكِبَيْنِ إِلَى مَكَّةَ: جَازَ، وَلَهُ

وهو الزرع المحصود، وأريد هاهنا ما بقي من أصول القصب المحصود في الأرض، كذا في المغرب (١).

لأنه غير متعد في هذا التسبيب فإنه مسبب لا مباشر، والضمان بطريق التسبيب يعتمد التعدي في التسبيب.

ألا ترى أن من حفر بئرا في ملكه فوقع فيها إنسان فهلك لا يضمن، ولو رمى سهما في ملكه فأصاب إنسانًا أو مالا فهلك يضمن؛ لأنه مباشره فلم يتوقف على التعدي، وهذا لأن المباشرة علة فلا يبطل حكمها بعذر، فأما التسبيب فليس بعلة فلا بد من صفة العدوان ليلحق بالعلة.

وإحراق الحصائد هنا مباح وليس بتعد فلا يضاف التلف إليه.

وقيل هذا إذا كانت الرياح هادنة (٢) حين أوقد النار، وقائله شمس الأئمة السرخسي، وهادنة بالنون: ساكنة من هدن إذا سكن، وفي نسخة: (هادئة) من هدأ بالهمز أي سكن.

قوله: (إنها)، أي: النار لا تستقر في أرضه، ولكن الريح تذهب بها إلى أرض الجيران فصار كأنه ألقاها في أرضهم.

قوله: (فهو جائز)، أي: استحسانًا لأنا إذا وجدنا سبيلا إلى الحكم بجوازه وهو شركة التقبل لا الإجارة، لأن تفسير شركة التقبل أن يكون ضمان العمل عليهما وأحدهما يتولى القبول من الناس، والآخر يتولى العمل لحذاقته وهو


(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١١٧).
(٢) كتب تحت حرف النون نقطتان للدلالة على ورودها بالوجهين.

<<  <  ج: ص:  >  >>