للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَمِينًا. لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ، وَاليَمِينَ مَجَازٌ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ الأَوَّلُ عَلَى النِّيَّةِ، وَيَتَوَقَّفَ الثَّانِي فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا، ثُمَّ المَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ، وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الحَقِيقَةُ.

وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْن الجِهَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ الوُجُوبَ، إِلَّا أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ وَاليَمِينَ لِغَيْرِهِ، فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَي التَّبَرُّعِ وَالمُعَاوَضَةِ فِي الهِبَةِ بِشَرْطِ العِوَضِ.

وما ذكر في الكتاب (ولهما: لا تنافي بين الجهتين)؛ أي: اليمين والنذر؛ لأن النذر إيجاب المباح، ويلزم [منه] (١) تحريم المباح؛ لكن هو يلزم ضمنا لإيجاب المباح، فإذا نواهما؛ اعتبر كونه نذرا بصيغته، ويمينا بمعناه، كالإقالة فسخ في حق المتعاقدين بصيغتهما، بيع في حق الثالث بمعناه. كذا في المبسوط (٢)، وجامع التمرتاشي، ويعرف تمام هذا البحث في الأصول.

(يقتضيه)؛ أي: الوجوب.

(لعينه)؛ أي: لعين النذر؛ لأن لفظه للإيجاب وضعا لغيره؛ وهو صيانة حرمة اسم الله تعالى عن الهتك، ولا منافاة بينهما.

فإن قيل: عدم المنافاة بينهما مسلم، ولكن يلزمه إجماع الحقيقة والمجاز في الإرادة؛ إذ لا يتأتى في كل صورة اجتماعهما.

قيل في جوابه: لا يكون هذا جمعا؛ لأن المجاز ثبت بدليله، والحقيقة بدليلها، فإن الفعل الواجب يجوز أن يكون واجبا لعينه ولغيره، [كمن حلف أن يصلي ظهر هذا اليوم في الوقت؛ فيجب أداء الظهر لعينه ولغيره] (٣)، حتى يجب القضاء باعتبار وجوب عينه، والكفارة باعتبار الوجوب لغيره، ولا يسمى هذا مجازا؛ بل هو عمل بالدليلين، كما في الهبة بشرط العوض، جعل هبة في الابتداء للفظ الهبة، وبيعا في الانتهاء؛ لدلالة المعاوضة، فاعتبرت في الأحكام


(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (٣/ ٩٥).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>