"ولم يفرضا في العمر إلا مرة "لخبر مسلم عن أبي هريرة خطبنا النبي ﷺ فقال: "يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: يا نبي الله أكل عام: فسكت حتى قالها ثلاثا فقال النبي ﷺ"لو قلت نعم (١) لوجبت ولما استطعتم"(٢) ولخبر الدارقطني بإسناد صحيح عن سراقة قال قلت: يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد.؟ فقال "لا بل للأبد"(٣).
"وإن ارتد بعده" أي بعد الإتيان بذلك "ثم أسلم" فإنه لا يفرض إلا مرة فلا تجب إعادته; "لأنها" أي الردة "لا تحبط عمل من لم يمت (٤) مرتدا" لمفهوم قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] وبهذا قيد الأصحاب بقية الآيات كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي
(١) رواه مسلم كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر حديث "١٣٣٧". (٢) "قوله: "لوجبت عليكم ولما استطعتم"والحج مطلقا إما فرض عين، وهو هاهنا أو فرض كفاية وسيأتي في السير أو تطوع، واستشكل تصويره وأجيب بأنه يتصور في العبيد والصبيان; لأن الفرضين لا يتوجهان إليهم وبأن في حج من ليس عليه فرض عين جهتين: جهة تطوع من حيث إنه ليس عليه فرض عين، وجهة فرض كفاية من حيث إحياء الكعبة قال الزركشي وفيه التزام السؤال إذ لم يخلص لنا حج تطوع على حدته وفي الأول التزامه بالنسبة للمكلفين ثم إنه لا يبعد وقوعه من غيرهم فرضا ويسقط به فرض الكفاية عن المكلفين كما في الجهاد وصلاة الجنازة. ا هـ. يجاب عنه بتصويره في مكلفين لم يخاطبوا بفرض الكفاية لعدم استطاعتهم وقد أدوا فرض العين ثم تحملوا المشقة وأتوا به. (٣) رواه الدار القطني "٢/ ٢٨٢" برقم "٢٠٨" وقال: رواه ثقات. (٤) "قوله: لأنها لا تحبط عمل من لم يمت مرتدا" قال في المهمات هذا ذهول عن مذهب الشافعي فقد نص في الأم على حبوط ثواب الأعمال بمجرد الردة، وهي مسألة نفيسة مهمة غفلوا عنها قال العراقي فسر الشافعي مراده من ذلك فقال: فإن قيل ما أحبط من عمله قبل أجر عمله لا إن عليه أن يعيد فرضا أداه من صلاة، ولا صوم، ولا غيرهما قبل أن يريد; لأنه أداه مسلما ثم بسط ذلك وإذا كان هذا لم يرد هذا النص على قولنا لا تلزمه إعادة الحج. ا هـ. على أن إمام الحرمين في الأساليب منع إحباط الثواب وقال: إذا حج مسلما ثم ارتد ومات مرتدا فحجه ثابت، وفائدة الحج المنع من العقاب، ولو لم يحج لعوقب على ترك الحج ولكنه لا يفيد ثوابا فإن دار الثواب الجنة، وهو لا يدخلها فأما إذا مات مسلما فالحج قد قضي على الصحة، والميت من أهل الجنة، والثواب غير متعذر فلا معنى للإحباط في حقه أصلا.