قال الإمام: مسائلُ الخُلعِ كثيرةٌ، ونُكتَتُهُ أنّه فراقٌ بِعِوَضٍ، كما كان النِّكاح تَلَاقيَّا بعِوَضِ، وحُكمُ العِوَضَينِ في الجوازِ والردِّ سواءٌ، وهو مكروهٌ ككراهيّة الطَّلاقِ. وقد رَوَى التّرمذيُّ (٢) وغيرُه (٣)، عن النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -؛ أنَّه قال:"المَختَلِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ"، وذلك إنَّ صحَّ -والله أعلمُ- مع استمرارِ الألفَةِ ودَوَامِ المَوَدَّةِ، فأمّا مع العَجْزِ عن إقامة حدودِ اللهِ تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}(٤) وهذا بيّن من حديثِ قَيْس بن شمَّاس.
وفي "الصّحيح" أنّ النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - قال لثابِتِ بن قَيسٍ:"خُذْ مِنهَا الحَدِيقَةَ"(٥) فأخذَها وطلَّقها تطليقةً، وهذا يدلُّ على أنّ الخُلْعَ طلاقٌ (٦).
وقال الشّافعيُ: إنّه فَسخٌ (٧)، وقد بيَّنَّاهُ في "المسائل"، وقد صرَّحَ في الحديثِ الصَّحيحِ -كما قدَّمناه- أنّه وَقَعَ الخُلْعُ بين يدي النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - طَلَاقا، وقد حقّقنَا فيما تَقَدَّمَ أنّ الله تعالى جعلَ الطَّلاقَ مَخلَصًا من النِّكاح، فمتَى ما خرجَ عنه الزَّوجانِ، فخروجُهُما طلاقٌ؛ تَلَفَّظَا به أو ذَكَرَا معناهُ.
(١) انظرها في القبس: ٣/ ٧٤١ - ٧٤٣. (٢) الحديث (١١٨٦) وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسنادُهُ بالقويِّ"، ورواه أيضًا في علله الكبير (٣٠٤). (٣) كابن عدي في الضعفاء: ٣/ ١٢٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٥٠٣)، والخطب في تاريخ بغداد: ٣/ ٣٥٨، وانظر علل ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٤. (٤) البقرة: ٢٢٩. (٥) رواه بهذا اللفظ الضّياء في الأحاديث المختارة (٢٠٨٠)، وهر في البخاريّ (٥٢٧٣) بلفظ: "اقبل الحديقةَ وطلِّقها تطليقةً". (٦) انظر أحكام القرآن: ١/ ١٩٥. (٧) وهو قوله في القديم كما نصّ المؤلِّف على ذلك في الأحكام: ١/ ١٩٥، وانظر الحاوي الكبير: ١٠/ ٨ - ١٠، وخلافيات البيهقي: ٤/ ١٩٣.