ثمنه من بيت المال، فزاد فيه قوصون إسطبل الأمير سنقر الطّويل (١). وأمره الملك النّاصر محمد ابن قلاوون بعمارة هذا الإسطبل، فبنى فيه كثيرا، وأدخل فيه عدّة عمائر ما بين دور وإسطبلات، فجاء قصرا عظيما إلى الغاية، وسكنه الأمير قوصون مدّة حياة الملك النّاصر.
فلمّا مات السّلطان وقام من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، عمل عليه قوصون وخلعه، وأقام بعده بدله الملك الأشرف كجك ابن الملك النّاصر محمد. فلمّا كان في سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، حدث في شهر رجب منها فتنة بين الأمير قوصون وبين الأمراء وكبيرهم أيدغمش أمير آخور، فنادى أيدغمش في العامّة: يا كسّابة، عليكم بإسطبل قوصون انهبوه؛ هذا وقوصون محصور بقلعة الجبل. فأقبلت العامّة من السّؤّال والغلمان والجند إلى إسطبل قوصون، فمنعهم المماليك الذين كانوا فيه، ورموهم بالنّشّاب، وأتلفوا منهم عدّة. فثارت مماليك الأمير يلبغا اليحياوي من أعلى قصر يلبغا - وكان بجوار قصر قوصون حيث مدرسة السّلطان حسن - ورموا مماليك قوصون بالنّشّاب حتى انكفّوا عن رمي النّهّابة، فاقتحم غوغاء النّاس إسطبل قوصون، وانتهبوا ما كان بركاب خاناته وحواصله، وكسروا باب القصر بالفؤوس، وصعدوا إليه بعد ما تسلّقوا إلى القصر من خارجه. فخرجت مماليك قوصون من الإسطبل يدا واحدة بالسّلاح، وشقّوا القاهرة، وخرجوا إلى ظاهر باب النّصر يريدون الأمراء الواصلين من الشّام.
فأتت النّهّابة على جميع ما في إسطبل قوصون من الخيل والسّروج وحواصل المال التي كانت بالقصر، وكانت تشتمل من أنواع المال والقماش والأواني الذهب والفضّة على ما لا يحدّ ولا يعدّ كثرة. وعندما خرجت العامّة بما نهبته، وجدت مماليك الأمراء والأجناد قد وقفوا على باب الإسطبل في الرّميلة لانتظار من يخرج، وكان إذا خرج أحد بشيء من النّهب أخذه منه أقوى منه، فإن امتنع من إعطائه قتل.
واحتمل النّهّابة أكياس الذّهب، ونثروها في الدّهاليز والطّرق، وظفروا بجواهر نفيسة وذخائر ملوكية وأمتعة جليلة القدر وأسلحة عظيمة وأقمشة مثمّنة، وجرّوا البسط الرّومية والآمديّة وما هو
(١) في مسودة المواعظ (٤٢٢): «ثم خرب في واقعة قوصون بعد موت النّاصر محمد بن قلاوون، فأقام خرابا من سنة اثنتين وأربعين إلى أن قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين ابن محمد بن قلاوون في سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، وحكم البلاد الأميران بركة وبرقوق فنزل فيه وجدّده، ثم خرّبته العامّة لمّا نهبت دار بركة عند واقعته مع الأمير برقوق». وأضاف المقريزي هنا على هامش المسودة: «يذكر هنا النّهب من كتاب سيرة النّاصر»، أي كتاب «نزهة النّاظر في سيرة الملك النّاصر» لليوسفي، وهو غير موجود في القسم الذي وصل إلينا من الكتاب؛ وانظر كذلك، أبا المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٠: ١٠ - ٤٣؛ ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٤٩٣: ١.