الدّولة شريكا لابن البقري. فكانوا يركبون في خدمته دائما، ويجلسون بين يديه، وربّما وقف ابن البقري على قدميه بحضرته، بعد أن كان ابن الحسام دواداره، لا يزال قائما بين يديه. فعدّ النّاس هذا من أعظم المحن التي لم يشاهد في الدّولة التركية مثلها، وهو أن يصير الرّجل خادما لمن كان في خدمته، نعوذ باللّه من المحن.
ثم إنّ الوزير ابن الحسام قبض على ابن البقري، وألزمه بحمل سبعين ألف/ درهم، ثم أعيد إلى الوزارة بعد القبض على الصّاحب تاج الدّين بعد الرّحيم بن عبد اللّه بن موسى بن أبي بكر ابن أبي شاكر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وقبض عليه وعلى ولده في حادي عشرين شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين، وسلّما مع عدّة من الكتّاب لشادّ الدّواوين، ثم أفرج عنهما على حمل مال. فلمّا ولي الأمير ناصر الدّين محمد بن رجب بن كلفت الوزارة، بعد الوزير أبي الفرج (١)، قرّر ابن البقري في نظر الدّولة عوضا عن بدر الدّين الأقفهسي، واستخدم بقيّة الوزراء كما فعل الوزير ابن الحسام. فلمّا خلع السّلطان على الأمير ناصر الدّين محمد بن تنكز، وجعله أستادّار الأملاك في رجب سنة سبع وتسعين، قرّر ابن البقري ناظر الأملاك وخلع عليه، فصار يتحدّث في نظر الدّولة ونظر الأملاك.
فلمّا كان يوم الخميس رابع رجب سنة ثمان وتسعين أعيد إلى الوزارة، وصرف عنها الأمير مبارك شاه الظّاهري، واستقرّ بدر الدّين (a)) محمد بن (a) محمد بن محمد الطّوخي في نظر الدّولة.
ثم قبض عليه في يوم الخميس رابع ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين، وأحيط بسائر ما قدر عليه من موجوده، وولي الوزارة بعده ابن الطّوخي، وعوقب عقابا شديدا في دار الأمير علاء الدّين عليّ ابن الطّبلاوي. ثم أخرج نهارا - وهو عار مكشوف الرأس، وبيده حبل يجرّ به، وثيابه مضمومة (a)) إلى صدره (a) بيده الأخرى، والنّاس تراه - من درب قراصيا برحبة باب العيد في السّوق إلى دار ابن الطّبلاوي، وقد انهتك بدنه من شدّة الضّرب، فسجن بدار هناك، ثم خنق في ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبع مائة (٢).
(a-a) ساقطة من بولاق. (١) حاشية بخط المؤلّف: «مات أبو الفرج تحت العقوبة يوم الاثنين حادي عشرين ربيع الآخر سنة ست وتسعين وسبع مائة». (٢) الصيرفي: نزهة النفوس ٤٤٢: ١، ٤٥٢.