الصلاة إلا بالنية والقصد، كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد، فمن كانت حركته في السماع طبيعية، كانت نشوته به حيوانية، ألا ترى أن كثيرًا من الحيوان ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات، وقوة حركة لسماع طيب النغمات، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه، وكان مقصورًا فيه على هواه ولعبه، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح، فجدير أن يجتنب فإنه يستعمل الطبيعة [ويجرُّ إلى الوقوع] في غير المباح.
والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص، ومنهم من جعله زلة الخواص، ومنهم من توقف ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا الأمرين نشاطا، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا، فهو متردد في أمريه، فتركه لمثل ذلك أولى، ولم يرزأ على من حضره من السلف، لكن لم ير نفسه بحضوره أهلا. فهذه جملة اقتناعية مما قيل فيه، ونبذة لعل من تأملها تكفيه. [من الطويل]
إذا حَرَّكَ الوجد السماعُ إليكم … يُباحُ وإلا فالسماعُ حَرامُ
ومَنْ هَزَّهُ طيب استماع حديثكُمْ … ومالَ مِنَ الأشواقِ ليس يُلامُ
ولا عَجَبٌ إِنْ شَتَّتَ الحَبُّ جَمْعَهُ … فليس لأحوال المُحب نظام
يسير مع الأشواق أَنَّى توجَّهت … وليس له في الكائناتِ مقامُ
ولا غرو إِنْ ضَلَّتْ مَذاهب عَقلِهِ … فإن مقامَ العِزّ ليسَ يَرامُ
حمى لا سبيل أن يُباحَ مَصونُهُ … وكلُّ الورى طافوا عليه وحامُوا
وقاموا وقد جَدُّوا لأول منزلِ … فَقاموا حيارى فيه حيثُ أَقاموا
ومن نظمه الفائق قوله: [من السريع]
لا غرو أن أصبح وجهُ الثَّرى … ونَورُهُ بالور وضاح
إذْ كم يد بيضاء في كفّها … بِرَوضة النرجس مصباح
وقوله: [من الكامل]
ما حمرة العينين منكِ بمهجتي … أفديهما وبناظري لتألّم
لكن لحاظكِ أغمدتْ أسيافها … بحشاشتي فبدا بها أثرُ الدَّمِ
وقوله: [من الكامل]
وا إذا جئنا سراعًا نَحوَهُ … خَوفَ الهجير وقدْ أَطلَّ زمانه
رق النسيم لبانِهِ وتَعطَّفتْ … كَرَمًَا علينا في الربا أغصانه
وقوله: [من الكامل]