للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن اليونيني: وحكي لي أن الملك الظاهر لما تغير عليه، وأحضر من أصحابه من دمشق من يحاققه على أمور نقلت إليه عنه، ويقابله عليها، قعد الملك الظاهر بقلعة الجبل، وعنده من أكابر الأمراء فارس الدين الأتابك، وبدر الدين، والملك المنصور قلاوون، وسير الأمير سيف الدين قشتمر العجمي لإحضاره، فلما طلبه إلى الحضور إلى القلعة، أنكر ذلك؛ لأنه لم يكن له به عادة، فعرفه [بشيء ما] هم فيه، فحضر معه، فلما دخل لم يجد ما يعهده، فقعد عندهم منتبذًا منهم، فأحضر السلطان الذين أحضرهم من أصحابه من دمشق، فشرعوا ونسبوه إلى قبائح وأمور عظيمة لا تكاد تصدر من مسلم، فقال: ما أعرف ما يقولونه، ومع هذا، فأنا ما قلت لكم: إني رجل صالح، أنتم قلتم هذا، فإن كان ما يقول هؤلاء صحيحًا، فأنتم كذبتم. فقام الملك الظاهر ومن معه من عنده؛ وقالوا: قوموا بنا، لا نحترق بمجاورته. وتحولوا إلى طرف الإيوان بعيدًا منه. فقال الظاهر: أيش رابكم في أمره؟. فقال الأتابك: هذا مطلع على الأسرار وأسرار الدولة، وبواطن أحوالها، وما ينبغي إبقاؤه في الوجود، فإنه لا يؤمن أن يصدر منه ما لا يمكن تلافيه فوافقه الحاضرون على ذلك، وقالوا: ببعض ما قد قيل [عنه] يباح دمه، ففهم ما هم فيه، فقال للملك الظاهر: اسمع ما أقول لك! إنَّ أجلي قريب من أجلك، وبيني وبينك مدة أيام يسيرة، من مات منا لحقه صاحبه عن قريب. فوجم الملك الظاهر لذلك، وقال للأمراء: ما ترون في هذا؟. فلم يقل أحد منهم شيئًا. فقال [السلطان] الظاهر: هذا يحبس في موضع لا يسمع له فيه حديث، فيكون مثل من قد قبر وهو حي. فقالوا: الذي رآه مولانا السلطان. فحبسه في مكان منفرد، بقلعة الجبل، ولم يمكن أحدًا من الدخول إليه إلا من يثق به السلطان غاية الوثوق، ويدخل إليه بالأطعمة الفاخرة والأشربة، والفواكه، والملابس تغير عليه كل وقت. وكان حبسه في ثاني عشر شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة.

وتوفي يوم الخميس سادس المحرم، أو ليلة الجمعة سابعه، وأُخرج يوم الجمعة المذكور من سجنه بقلعة الجبل، ميتًا، فسُلِّم إلى أهله، فحملوه إلى زاويته المعروفة بخط الجامع الظاهري بالحسينية، فغسل بها، وحمل إلى الجامع المذكور، وصلّي عليه عقيب الجمعة بالجامع المذكور، ودفن بتربة أنشأها لنفسه بالزاوية، وقد نيف على الخمسين. ولما عاد الظاهر من الروم، كتب بالإفراج عنه، وجهزه على البريد، فوصل البريد بعد موته. وكان بنى له الظاهر زاوية بالحسينية، ووقف عليها أحكارًا يحصل منها في كل سنة فوق ثلاثين ألف درهم. وبنى له بالقدس زاوية، وبجبل المزة ظاهر دمشق زاوية، وبظاهر بعلبك زاوية، وبحماة زاوية، وبحمص زاوية، وفي جميعها

<<  <  ج: ص:  >  >>