قال ابن اليونيني (١): صحب الشيخ الكبير عبد الله اليونيني، وانتفعت به، وكان من أعيان أصحابه، وانقطع بزاويته بقرية «يونين» من عمل بعلبك، معرضًا عن الدنيا وأهلها. يقوم الليل، ويسرد الصوم، وبقي على ذلك سنين كثيرة، إلى أن توفي رحمه الله تعالى في زاويته بقرية يونين، في رابع ذي القعدة، ودفن بها، وهو في عشر الثمانين تقريبًا، وكان من الأولياء الأفراد، ولم يتزوج لاستغراق أوقاته بذلك، لكنه عقد عقدًا على عجوز كانت تخدمه، لاحتمال أن تمس يده يدها، والناس عنده سواء في المعاملة.
قال (٢): وبلغني أن البادرائي قصد زيارته، فجاءه عند صلاة المغرب، فصلى الشيخ، وقام ليدخل إلى خلوته على عادته، فاستوقف له حتى أتاه، فسلم عليه، وسأله الدعاء، ثم أخذ في محادثته، فقال له الشيخ: رحم الله من زار وخفّف. وتركه ودخل [إلى خلوته]. قال: وكانت شفاعاته عند ولاة الأمور مقبولة، وله الحرمة العظيمة عند سائر الناس، والمهابة في الصدور، مع لطف أخلاقه، ولين كلمته. وله الكرامات الظاهرة، وإذا حضر إليه أحد من المشايخ و أرباب القلوب [إلى يونين، قصد زيارته و] تأدب معه غاية الأدب، وأما هو فلا يمشي إلى أحد البتة. ومن سلك منهم معه غير الأدب سُلب.
قال (٣): وكانت بينه وبين والدي صداقة، وكنت آتيه مع أبي فيقبل علي، ويتلطف بي، فلما كانت السنة التي مات فيها، كان والدي يأمرني بكثرة التردد إليه، [كأنه استشعر قرب أجله وأحس به، فكنت بعد كل يوم أتردد إليه فقصدته مرة في أول شوال من هذه السنة، ومعي ناصر الدين علي بن فرقين، والشمس محمد بن داود رحمهما الله، فدخلنا عليه وليس عنده غيرنا، وشرع] فحدثنا، ثم استغرق عن غير قصد منه لذلك، ثم أفاق من غشيته، وقد انقطع الحديث، فسألناه إتمامه وألححنا في السؤال فقال:[من البسيط]
مَنْ سارروه فأبدى السرَّ مُشتهرًا … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وابعدوه فلم يحظ بقربهُمُ … وبَدَّلُوهُ مكان الأنس إيحاشا
قال (٤): وكان مضمون ذلك الحديث: أنه أنذر بدنو أجله، ثم لم يلبث أن مرض ومات، ودفن إلى جانب الشيخ عبد الخالق، وكان من أبر الصلحاء.