فلبسني، ثم قال: يا سعيد! يا طويل العمر!، يا طويل الذيل!، فأنا كلما تذكرت ما أنعم الله به علي علمت أنها كانت بشرى من الشيخ.
وحدثني الشيخ نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي الطيب، عن أبيه الشيخ نجم الدين أبي حفص عمر قال: خرج مرة إلى محجة قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل ابن الزكي، ومعه نائبه قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة، ومعه ابنه القاضي نجم الدين، وكان الفصل شتاء، فلما أردنا العود، وجه ابن الزكي وجهه إلى:«بُسْر» لزيارة الشيخ علي الحريري، فلما قاربنا «بُسْر» قال ابن الزكي: أشتهي أن يطعمنا الشيخ بسيسة حورانية، فقال صدر الدين بن سني الدولة وأنا أشتهي طبيخ كشك بدجاج، فقال ابنه: وأنا أشتهي دراقن لوزي. فقالوا: وأنت؟ فقلت: أنا رجل فقير مهما حضر قنعت. قال: فلما وصلنا ونزلنا بالزاوية، سلمنا على الشيخ، فجلس إلينا جلسة ثم قام، وغاب عنا إلى أن كاد وقت الظهر يفوت، ثم أتى ومعه قصعة فيها بسيسة، وقصعة فيها كشك دجاج، وبيده شيء آخر، فقال لخادمه: ضع البسيسة بين يدي قاضي القضاة محيي الدين، وضع الكشك بين يدي القاضي صدر الدين، ثم التفت إلى نجم الدين وقال: يا ثقيل!، يا متعنّت!، من أين يلتقي في بلاد حوران في زمان الشتاء دراقن لوزي؟ والله ما تأخرنا إلا بسبب عنتك، ثم وضع الذي كان بيده قدامه، فإذا هو سلّةٌ صغيرة فيها دراقن، ثم طلع إلي وقال: يا نجم الدين! أنت رجل فقير مهما حضر قنعت به، شارك الكل وكل معهم.
وحدثني شيخنا نجم الدين موسى بن علي الكاتب المجوّد، عرف بابن البصيص، فيما يحكي عن أبيه قال: كان شخص من أبناء الأمراء عند أبي في المكتب، يتعلم الخط، فلما خرج من المكتب، سمع الحديث، وتفقه، وكان له ذكاء، وعنده قابلية واستعداد، فبرع، ثم إنه جاء يومًا إلى أبي إلى المكتب ليزوره ويوصيه بأخ له صغير، كان قد أتى به إليه ليعلمه، فجلس إلى أبي، وشرع يحدثه، فجرى ذكر الشيخ الحريري، فأخذ ذلك الشاب يقع فيه ويقول: رجل مبتدع صفته نعته، وبالغ في ذكره بالسوء، فما أتم كلامه إلا وقد أقبل الشيخ في خلق من أصحابه، فوقف على المكتب، ونظر إلى ذلك الشاب، ثم قال له: دع كل شيء كنت فيه، وخلّ هذا الفشار من رأسك، وقم انزل. فقام الشاب إلى الشيخ، وقبَّل يده، فطلب الشيخ مقصًا ثم قص شعره، وألبسه طاقية على رأسه، وثوبًا من ثياب الفقراء، ثم مشى الشيخ، فمشى الشاب معه، ثم صحبه صحبة كانت إلى آخر العمر.