للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سعة، وتأنق في رفاهية، وعيشة راضية، لعيشة الملوك مضاهية، هذا مع جهاد كان عليه في أول حاله وقبل أن يرمى صدقه بمحاله.

حكي أنه كان يركب حائطًا في داره لحاجة يريدها، ثم يغلب عليه حال ينسى بها نفسه، ولا يعود يعرف يومه من أمسه، حتى يبقى مدى على الجدار منتصب، ومرفقه بالشمس متوج أو بالثريا معتصب، لا يعرف ضجرًا ولا هجيرا سحابًا مثعنجرًا، ثم كثر بالناس ائتلافه، وطال تردده إلى المدينة واختلافه، فأطلقت فيه الفقهاء الألسنة، ومرقت الفقراء له السيئة بالحسنة، فطائفة مقرة، وأخرى جاحدة، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١).

أصله من «بُشْر»، وتردد إلى دمشق، وتبعه طائفة من الفقراء. قال أبو شامة: وهم المعروفون بالحريرية، أصحاب الرأي المنافي للشريعة، وباطنهم شر من ظاهرهم.

قال: وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون بها، ومن إظهار شعار أهل الفسوق والعصيان شيء كثير. وانفسد بسببه جماعة كثيرة من أولاد كبراء دمشق، وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغناء الدائم، والرقص والمُردان، وترك الاحتجاز على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات، وكثرة النفقات، فأضلَّ خلقًا كبيرًا، وأفسد جماعة. ولقد أفتى في قتله جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله منه.

وتوفي: في رمضان سنة خمس وأربعين وستمائه في زاويته بقرية «بسر». هذا قول أبي شامة في الحريري، وهو أحد القولين فيه.

والقول الآخر: إنه من الأولياء أصحاب الأحوال والكرامات، وقد حكي لي من أحواله ما أذكره والسرائر عند الله تعالى.

حدثني عمي الصاحب شرف الدين رحمه الله تعالى قال: سافرت وأنا صبي صغير إلى بلاد حوران، فلما كنت بزرع دخلت الحمام، فإذا أنا بالشيخ الحريري؛ فقال لي بعض من كان معي: قبل يد الشيخ، فقمت إليه، وقبلت يده، فرأيته جالسًا على جانب الحوض يصب الماء على أصحابه، فقال له بعض أصحابه، يا سيدي! هذا ابن فضل الله، فقال: ونعم - والله من ابن رجل جيد، اقعد!، فقعدت، فأمر شخصًا من أصحابه، فغسلني والشيخ يصبُّ عليَّ بيده الماء، إلى أن فرغت، ثم أتاني بمناشف من عنده مبخرة، ما رأيت أطيب منها ريحًا، ثم أتاني بقماش كأنه قد هيئ لي،


(١) سورة هود: الآية ١١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>