لا تسقني وحدي فما عودتني … أني أشح بها على جلاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرمًا … أنْ يعبر الندماء دور الكاس
فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كبير (١).
قال ابن خلكان (٢): ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه - كجاري عادة الصوفية - فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها، وما يجدونه من الأحوال الخارقة، وكان قد وصل رسولًا إلى إربل، من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس وعظ، ولم تتفق لي رؤيته لصغر السن.
وكان كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه. وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم.
سمعت أن بعضهم كتب إليه: «يا سيدي، إن تركت العمل، أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العُجْبُ، فأيهما أولى؟». فكتب جوابه: «اعمل واستغفر الله تعالى من العجب».
وحكى الوداعي عن الشيخ قطب الدين بن القرطبي قال: حضرت مجلس الشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة، وهو يعظ، فأنشد في خلال وعظه: [من البسيط]
هو الحمى ومعانيه مَغانيه … فانزل وعاين بليلي ما تعانيه
ما في الصحابِ أَخو وجد أطارحه … حديثَ نَجْدٍ ولا صَبٌ أُجاريهِ
فقام إليه فقير فقال: أنا أطارحك أيها الواعظ، وجلس ووضع رأسه بين ركبتيه، فقال الشيخ: جهزوا أخاكم، فإنه قد مات. فقاموا إليه فوجدوه قد مات، فجهزوه، وواروه وله كتاب: «عوارف المعارف» ذكر فيه أبياتًا لطيفة منها: [من البسيط]
أَشَمُّ مِنْكَ نسيمًا لستُ أعرفُهُ … أَظنُّ لمياء جرت فيك أذيالا
وذكر فيه أيضًا: [من الخفيف]
إن تأملتكمْ فُكلِّي عُيون … أو تذكَّرتكم فكلي قُلوبُ
ومن شعره أيضًا قوله (٣): [من مخلع البسيط]
تَصرَّمَتْ وحشة الليالي … وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حَسُودًا … مَنْ كانَ في هُجْرَكُمْ رَأَى لِي
وحقكمْ بَعْدَ أَنْ حَصَلتُمْ … بِكُلِّ ما فات لا أبالي
(١) إلى هنا النقل من وفيات الأعيان ٣/ ٤٤٦.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ٤٤٧.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨.