للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان الجنيد يدخل كل يوم حانوته، ويسبل الستر، ويصلي أربعمائة ركعة، ثم يعود إلى بيته.

وقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات، فرأيته ختم القرآن ثم ابتدأ من البقرة، وقرأ سبعين آية، ثم مات رحمه الله تعالى.

وقال الجنيد: «قال لي خالي سَرِيُّ السَّقَطِيُّ رحمه الله تعالى: «تكلم على الناس» و [كان] في قلبي حشمة من الكلام على الناس، فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت ليلة في المنام رسول الله - وكانت ليلة جمعة - فقال لي: «تكلم على الناس!»، فانتبهت، وأتيت باب السَّري قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: «لم تصدقنا حتى قيل لك؟!». فقعدت في غدٍ للناس بالجامع، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس. فوقف علي غلام نصراني متنكرًا، وقال: «أيها الشيخ! ما معنى قول رسول الله : «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فإنه ينظرُ بِنُورِ الله»؟. فأطرقت، ثم رفعت رأسي، وقلت: أسلم!، فقد حان وقت إسلامك!. فأسلم الغلام.

وقال الجنيد: «ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها». قيل له: وما هي؟.

قال: مررت بدرب القراطيس، فسمعت جارية تغني من دار، فأنصت لها، فسمعتها تقول: [من الطويل]

إذا قلتُ: أهدى الهجر لي حُلَلَ البِلى … تَقُولِينَ: لولا الهجرُ لمْ يَطِبِ الحُبُّ

وإن قلتُ: هذا الحبَّ أحرقَهُ الهَوَى … تقولي: بنيرانِ الهَوَى شَرُفَ القَلبُ

وإن قلت: ما أذنبت قلتِ مُجيبة … حياتك ذَنْبٌ لا يُقاس به ذَنْبُ

فصعقت، وصحت … .. فبينا أنا كذلك، إذا بصاحب الدار قد خرج، فقال: ما هذا يا سيدي؟!. فقلت له: مما سمعت. فقال: أشهدك أنها هبة مني إليك. فقلت: قد قبلتها، وهي حرة لوجه الله تعالى. ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرباط، فولدت له ولدًا نبيلًا، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة.

«عن الحلية» الصوفية، أنها حكت بسندها إلى الجنيد، قال: «كنت لهجًا بزيارة الرهبان، والمنقطعين إلى العبادة من سائر الأديان، فحكي لي: إن في أقصى بلاد الروم جارية فتية السن، قد اتخذت وتدًا من حديد وعارضة، وغلت يدها وعنقها إليه، وتعلقت بين السماء والأرض، لا تقر من العبادة، فاجتهدت إلى أن وصلت إلى ذلك الموضع، ورفعتُ رأسي إليها، فحين بَصُرَتْ بي قالت لي: يا أبا القاسم! إن لم يكن حقًا فهو حقيقة!!!.

وقال أبو محمد الجريري: كان في جوار الجنيد رجل مصاب [في خربة]، فلما

<<  <  ج: ص:  >  >>