للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ورجل ضرير بقرب منا يسمع، فتقدم إلينا، وقال: قد أنست بكلامكم، اعلموا أنه كان لي صبية وعيال، وكنت أخرج إلى البقيع أحتطب، فخرجت يومًا، فرأيت شابًا عليه قميص كتان، ونعله في إصبعه، فتوهمت أنه تائه، فقصدته لأسلب ثوبه، فقلت: انزع ما عليك. فقال: مُرّ في حفظ الله، فقلت له ثانيًا، وثالثًا. فقال: لا بد؟ فقلت: لا بد.

فأشار بإصبعه من بعيد إلى عيني، فسقطتا!. فقلت: بالله عليك من أنت؟. فقال: إبراهيم الخواص.

وقال الخواص: دخلت البادية مرة، فرأيت نصرانيًا على وسطه زنار، فسألني الصحبة، فمشينا سبعة أيام، فقال لي: يا راهب الحنفية!، هات ما عندك من الانبساط؛ فقد جعنا. فقلت: إلهي! لا تفضحني مع هذا الكافر. فرأيت طبقًا عليه خبز وشواء، ورطب، وكوز ماء؛ فأكلنا، وشربنا، ومشينا سبعة أيام. ثم بادرت وقلت: يا راهب النصرانية! هات ما معك من الانبساط، فقد انتهت النوبة إليك. فاتكأ على عصاه، ودعا؛ فإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيرت، وتغيرت، وأبيت أن آكل فألح عليّ، فلم أجبه، فقال لي: كل .. فإني مبشرك ببشارتين: إحداهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. وحل الزنار. والأخرى: أني قلت: «اللهم إن كان لهذا العبد خطرًا عندك فافتح لي بهذا .. »؛ ففتح!. فأكلنا، ومشينا، وحج، وأقمنا بمكة سنة، ثم مات، ودفن بالبطحاء.

وقال: «دخلت البادية مرة، فأصابتني فاقة شديدة، فلما دخلت مكة، داخلني العجب، فنادتني امرأة عجوز، وقالت: يا إبراهيم كنت معك في البادية، ولم أكلمك، خوفًا أن أشغل سرك، أخرج عنك هذا الوسواس».

وقال حامد الأسود: كنت مع إبراهيم الخواص في البرية، فبينا نحن تحت شجرة، فجاء سبع، فصعدت الشجرة إلى الصباح، لا يأخذني النوم، ونام إبراهيم الخواص، والسَّبع يشم من رأسه إلى قدمه، ثم مضى، فلما كانت الليلة الثانية، بتنا في مسجد بقرية فوقع على وجهه بقة، فأنَّ أنَّة!. فقلت: هذا عجب!، البارحة لم تجزع من الأسد، والليلة تصبح من البق .. !. فقال: أما البارحة فتلك حالة كنت فيها مع الليلة فهذه حالة أنا فيها مع نفسي.

وقال حامد أيضًا: وكنت معه في البادية سبعة أيام على حالة واحدة، فلما كان في اليوم السابع، ضعفت، فجلست فالتفت إلي وقال: ما لك؟. فقلت: ضعفت. فقال: أيما أغلب عليك: الماء أو الطعام؟. فقلت: الماء. فقال: الماء وراءك. فالتفت، فإذا عين ماء كاللبن الحليب، فشربت وتطهرت، وإبراهيم ينظر، ولم يقربه، فلما أردت

<<  <  ج: ص:  >  >>