للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من الأنضار، وخلاصًا من ذلك الذهب النضار، حتى نزل في جدثه، ونزح الشبه مما يلقى على جثثه، ولم يدر بموته من فقد، ولا علم مدرج الكفن عليه علي أي شيء عقد.

وهيهات .. الكواكب لا تقبر، والتراب لا يكون فيه النيّر الأكبر. وهو آخر من سلك طريق التوكل، ودقق فيها.

وكان أوحد المشايخ في وقته، وكان من أقران الجنيد والنوري، وله في الرياضات، والسياحات مقامات يطول شرحها.

ومات في المسجد الجامع، بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكان مبطونًا، وكان به علة القيام، وكان إذا قام يدخل الماء، ويغتسل، ويعود إلى المسجد، ويصلي ركعتين، فدخل الماء مرة ليغتسل، فخرجت روحه، وهو في وسط الماء، رحمه الله تعالى. وتولى أمر غسله ودفنه يوسف بن الحسين.

ومن كلامه : «من لم يصبر لم يظفر».

وقال: «من لم تبك الدنيا عليه، لم تضحك الآخرة إليه».

وقال جعفر بن محمد: بِتُّ ليلةً مع إبراهيم، فانتبهت، فإذا هو يناجي إلى الصباح، ويقول: [من الكامل]

بَرِحَ الخَفاءُ، وفي التَلاقي راحَةٌ … هَلْ يَشتَفي خِلُّ بِغَيرِ خَليلِهِ

وقال: «العلم كله في كلمتين: لا تتكلف ما كفيت ولا تضيع ما استكفيت».

وقال: «ليكن لك قلب ساكن، وكف فارغة، وتذهب النفس حيث شاءت».

وقال: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين».

وقال: «من صفة الفقير أن تكون أوقاته مستوية الانبساط، صابرًا على فقره، لا يظهر عليه فاقة، ولا تبدو منه حاجة، وأقلُّ أخلاقه الصبر والقناعة، مستوحشًا من الرفاهات متنعمًا بالخشونات، فهو بضد ما عليه الخليقة، برئ مما هي عليه معتمدة، وإليه مستريحة، ليس له وقت معلوم، ولا سبب معروف فلا تراه إلا مسرورًا بفقره، فرحًا بصبره، مؤونته على نفسه ثقيلة، وعلى غيره خفيفة، يعز الفقر ويعظمه، ويخفيه جهده ويكتمه، حتى عن أشكاله يستره، قد عظمت من الله تعالى عليه فيه المنة، وحل في قلبه قدرها، فليس يريد لما اختار الله له بدلا، ولا يبتغي له حولًا».

<<  <  ج: ص:  >  >>