للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والله ما لهذا خُلِقْتَ، ولا بهذا أُمِرْت؟. فنزل عن دابَّته، وصادف راعيًا لأبيه، فأخذ جبته، وكانت من صوف، فلبسها، وأعطاه ثيابه، وقماشه، وفرسه. ثم دخل مكة، وصحب بها سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، ثم ارتحل إلى الشام، وأقام بها. وكان يأكل من عمل يده؛ مثل: الحصاد، وعمل البساتين، وغيرهما. وصادف في بعض البراري رجلًا علمه اسم الله الأعظم فدعا به، فرأى الخضر . وكان كبير الشأن في باب الورع: يحكى عنه أنه قال: «أطب مطعمك، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار».

وكان من دعائه: «اللهم! انقلني من ذلّ معصيتك إلى عز طاعتك».

وروي أنه كان يحفظ كرمًا؛ فمر به جندي، فقال: أعطنا من هذا العنب. فقال: ما أمر به صاحبه. فأخذ الجندي يضربه بسوطه، فطأطأ رأسه وقال: «اضرب رأسًا طالما عصى الله!!».

وقيل: مرَّ إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة، فاجتمع إليه الناس، وقالوا: يا أبا إسحاق! إن الله يقول في كتابه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا!. فقال: يا أهل البصرة ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها: عرفتم الله ولم تؤدُّوا حقه. والثانية: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به. والثالثة: ادعيتم حب رسول الله وتركتم سُنَّته. والرابعة: ادعيتم عدواة الشيطان ووافقتموه!. والخامسة: قلتم: نحب الجنة، وما تعملون لها!. والسادسة: قلتم: إن الموت حق، ولم تستعدوا له!. والسابعة: قلتم: نخاف النار [ووهنتم] أنفسكم!. والثامنة: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم!. والتاسعة: أكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها. والعاشرة: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم!.

وقال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم عن العبادة؟ فقال: «رأس العبادة التفكر والصمت، إلا عن ذكر الله تعالى». وقد بلغني أنه قيل للقمان: ما بلغ من حكمتك؟. فقال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني. ثم قال: يا ابن بشار! إنما ينبغي للعبد أن يصمت، أو يتكلم بما ينتفع به، أو ينفع به من موعظة، أو تنبيه، أو تخويف، أو تحذير. يا ابن بشار! مثل لبصر قلبك حضور مَلَكِ الموت لقبض روحك، فانظر كيف تكون؟. ومثل هول المطلع، ومساءلة منكر ونكير. فانظر كيف تكون؟. ومثل القيامة، وأهوالها، وأفزاعها، والعرض، والحساب،


(١) سورة غافر: الآية ٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>